مكتبة الصور

عرض الكل

خلال لقائه رؤساء تحرير الصحف ووسائل الإعلام الوطنية في معرض لندن للكتاب

سلطان القاسمي: القيـم والأخـلاق صمـام أمـان ضـد التطـرف

أكد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، أن وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية كبيرة تجاه المجتمع والأخلاق والعروبة والإسلام، من خلال المحتوى الذي تبثه كل وسيلة منها. اضاف سموه: هناك محتوى يحرّض متابعيه على الانحدار الأخلاقي، وآخر يُنَمِي لديهم الثقافة والمعرفة، ويغرس فيهم مبادئ وقيم وأخلاق الإسلام، التي بتنا في أمسّ الحاجة إليها، كحاجتنا إلى الوحدة والترابط العربي، في الزمن الذي نعيشه، المماثل لزمن الجاهلية، مشددا سموه على أنه لا نجاة من هكذا حال إلا بالإسلام.

وكان سموه تحدث مع رؤساء تحرير الصحف ووسائل الإعلام الوطنية، في معرض لندن للكتاب في دورته ال 46: مؤكدا أنه يترتب تجريم وسائل الإعلام التي تبث محتوى يحث ويشجع متابعيها على الانحدار الأخلاقي، لما له من تأثير سيئ في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية، فمجتمعاتنا لم تكن في السابق على ما هي عليه الآن، لأنها مُحافظة، ولكنها ربما تأثرت بسبب الخلط وعدم الانتماء الوطني وعدم الانتماء الديني، فجميعها عوامل أدت إلى ضياع القيم الموجودة.

القيم والاخلاق

وأكّد صاحب السمو حاكم الشارقة على أن القيم والأخلاق والتربية هي طوق نجاة الأمة، وضياعها خطر لا يستهان به، فكما قال الشاعر أحمد شوقي: «إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا»، وهذا يعني أن زوال بعض الدول كان نتيجة لتصرفات غير أخلاقية.

واكد سموه على أهمية الثقافة في بناء الحضارات، ودعا إلى الابتعاد عن المسببات للخلافات والتفرقة في العالم العربي، قائلاً: «يجب أن نتمسك بكل ما يجمعنا وننبذ كل ما يفرقنا، فما يفرقنا اليوم، هو التلاسن، والتنابز، والتحقير، وهذا ما ينهى عنه الدين، فهذه كلها وسائل العاجز الذي لا يستطيع أن يفعل شيئاً، ولا يملك إلا أن يشتم ويستخدم لسانه، لذلك نحن ندعو إلى الابتعاد عن هذه الوسائل بين الأمم والشعوب والأديان».

وأشاد سموه بتخصيص دولة الإمارات عاماً للقراءة، والرؤى الموضوعة لتعزيز المعرفة والثقافة لدى الأجيال الجديدة، مشيراً إلى ضرورة البدء من الأسرة وقال سموه: «قبل البدء في تعزيز المعرفة والثقافة، علينا الرجوع إلى المجتمع في مكوناته الأساسية، فليس من الضروري أن يصبح كل فرد في المجتمع مثقفاً، ولكن من الضروري أن يكون ناشئاً تربى على القيم السليمة، وهذه هي مهمة الأب والأم».

وتحدث سموه خلال اللقاء عن آخر إصداراته التي سترى النور في معرض الشارقة الدولي للكتاب المقبل، وأبرزها مؤلفه الجديد «الشارقة بين الحماية والاستعمار».

الموروث الأخلاقي

وأضاف سموه: نحن كشعوب إسلامية وعربية نختلف عن الشعوب الأخرى من حيث الموروث الأخلاقي الذي نمتلكه، فإذا حدثت تغيرات في مجتمع لا يمتلك موروثاً أخلاقياً، لن نلقي عليه باللوم، لأنه ليس لديه مخزون يربي عليه أولاده وأجياله، بينما نحن لدينا المخزون الكافي لإنشاء جيل صالح.

وقمت أنا - والكلام لسموه- بتوضيح ذلك خلال أحداث المسرحية التي كتبتها بعنوان «داعش والغبراء»، وكنت أتدخل بنفسي في إخراج المسرحية، ويتضح لنا المعنى في أحد المشاهد إذ السيوف كلها ركزت ثم تبدلت الملابس إلى اللون الأبيض، للدليل على النقاء والصفاء الإسلامي في وقت الأذان، حينما يرفع المؤذن «الله أكبر»، فعندما دخل الرسول عليه الصلاة والسلام المدينة المنورة لبسنا ثوب عز بعد تمزيق الرقاع، فهكذا كان الحال في الواقع سابقاً وفي هذا المشهد من المسرحية، كان الإسلام هو المنجي والمنقذ، فإن الله سبحانه وتعالى حبا هذه الأمة وميزها بالأخلاق والقيم.

فعندما نقارن بيننا وبين الشعوب الأخرى من حيث العادات والتقاليد وغيرها من المبادئ، سنجد أنه لا يوجد نظام مثل نظام الإسلام في النظافة والسلوك، فإذا تأملنا في الوضوء فقط، سنرى كيف يقوم الإنسان بتنظيف جميع أجزاء رأسه من فم وأنف وعينين وأذنين، فإذا بحثنا في أصول الثقافة عند أرقى الأمم فإننا لن نجد مثل هذا الطهر، بينما نحن نمارس هذه القيم ليس فقط بشكل يومي إنما 5 مرات في اليوم الواحد.

مواجهة المتطرفين

وتابع سموه قائلاً: إن القيم لا تتمثل فقط في مجرد تأدية العبادات، ولكن القيم مبنية وممزوجة في بناء الإنسان وتصرفاته، فالأخلاق الحسنة التي نتحدث عنها موجودة في المجتمع، ولكن ما نحتاجه الآن هو التمييز بين أصحاب الإسلام والأخلاق الحميدة الحقيقيين، وبين المجموعة المنحرفة التي تدعي الإسلام، مع الأخذ بالاعتبار أننا إذا عادينا هذا التطرف، فهذا لا يعني أننا نعادي الوسيلة التي يستخدمها المدعي وهي الدين، فنحن لا نعادي الدين، بل العكس تماماً، فإن مواجهتنا للمتطرفين تزيد فينا الإسلام وتحفظه لنا، وكأنني أقول بهذا الفعل للمتطرف أنا أعلم وأفقه منك دينياً، وأنا أكثر منك تطبيقاً وممارسة لهذا الدين، وبهذا التطبيق أستطيع إسكاتهم أفضل من استخدام الرشاشات، فكلما قتل الرشاش فردا سيظهر آخر، ولكن التصرف الصحيح أجدر بإسكاتهم.

عالم مضطرب

واستطرد سموه قائلاً: لنتمكن من حفظ عالمنا العربي الذي أصبح مضطربا، يجب أن نتعامل بشيء من العقلانية في الدعوة، وليس فقط باستخدام الأسلحة والرشاشات، فلن يتحقق الأمر بالعقوبة فقط، ولا بالتعذيب والنهر، بينما لابد أن يكون بالتربية، وهي التي تأتي من البيت، فالبداية تأتي من تربية الأب والأم حتى يكونا قادرين على تربية الابن التربية الصالحة، لننهض بالجيل.

عندما نسترجع تاريخ ظهور الإسلام، نجد أن الله سبحانه وتعالى بعث سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في هذه الفترة من الزمن بالتحديد لا قبل ولا بعد ذلك، وهنا يجب علينا السؤال: لماذا في هذا الزمن بالتحديد بالرغم من أنه مرت أزمان كثيرة قبل هذا الزمن؟ فهناك مسافة زمنية بعيدة بين نزول المسيح عليه السلام وبعث سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، بما يزيد على 650 عاما، بالتفقه في الدين والقرآن الكريم سنلاحظ أن في هذه الفترة كان الصراع بين أمتين، هما «الرومان» و«الفرس»، حتى وصل هذا الصراع إلى «البيت العتيق»، فبعث الله سبحانه وتعالى سيدنا إبراهيم للتعمير، ووصل إلى اليمن، وصراع اليمن جعل مع القوة الغازية التي أتت لتخليص اليمن من المسيحية التي أتى بها «أبرهة» من الحبشة، وامتدت هذه الصراعات إلى «البيت العتيق»، فحماه الله سبحانه وتعالى بطريقة كأنها تعني أن العرب غير أكفاء لحماية هذا البيت الذي جعله الله لهم، وأرسل الله الطير الأبابيل وقضى على المجموعة التي كانت تسير، أما من كانوا في مكة فركضوا في الجبال كالجرذان وتركوا أغلى ما عندهم، والمقصود بأغلى ما عندهم هو تجارتهم ومشربهم، وكانوا يتقاضون مقابلاً لرفادتهم على البيت.

وبالتعمق في مولد أشرف الخلق، نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى أنزل نطفة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في هذه الليلة، فإن الله سبحانه وتعالى «مرتب الأسباب».

العرب الأسوأ بين الأمم

وعن الوضع الحالي للعالم العربي، بدأ صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي كلماته متسائلاً: هل هناك أمة وضعها كوضعنا الحالي؟ إننا الأسوأ وضعاً بين الأمم، فأينما اتجهت تلاحظ المصائب، وأينما قرأت الصحف تشاهد الدم والخراب والقتل، وفي هذه الفترة كيف لنا أن ننجو بالإسلام، فنحن نعيش الآن في جاهلية كالتي كانت في السابق، فهي فترة يترتب علينا فيها أن نحافظ على هذا الدين، وأن ندعو إلى معاقبة كل من دعا إلى الرذيلة أو حسَّنها، أو فتح لها باباً،.

هنا نحن نقول: لابد أن يكون هناك توجه عام عند العالم العربي والعالم الإسلامي، أنا لا أحتاج إلى ديمقراطيين، دعونا منهم، فنحن لا نريد حرية، لأنها موجودة، بل نحن نريد قيمة أخلاقية نضعها في الإنسان، فإذا وضعنا فيه القيمة الأخلاقية فهو كفيل أن ينفذ الإبداع في المعرفة وكل مناحي العلم والتطوير، ولا نحتاج إلى إذاعاتنا أو التلفزيونات، فالدين الإسلامي لم ينتشر بالتلفزيونات ولا الإذاعات ولا بالصحافة أو غيرها من وسائل الإعلام، بينما انتشر بالإيمان، ولذلك، علينا الآن أن نخاطب التلفزيون والصحافة وغيرهما من وسائل الإعلام، فأنا أضع عند وسائل الإعلام هذه الأمانة وأقول لمسؤوليها: «إذا شاهدت شيئا مضادا لأخلاق الإسلام من فضلك لا تبثه، وتذكرني، عليكم أن تتذكروا أن أباكم جميعاً يطلب منكم أن لا تنشروا مثل هذه الأشياء، لأنها تؤثر فيّ أنا وكأنك تلقي بحجر أمامي ليعثرني في مسيرة الأخلاق»، ولذلك استعملوا سلطاتكم في حذف الرذيلة من محتواكم الإعلامي الذي تبثونه، وحذف كل ما يؤدي إليها، وبثوا كل ما يؤدي إلى الأخلاق، فهذه رسالة، فنحن نرى الصحافة وأحياناً نلوم وأحياناً نتحسر لما نراه من أمور لا يرضى بها أي شخص، وكذلك في التلفزيونات.

«نكون أو لا نكون»

وقال صاحب السمو حاكم الشارقة ان العرب يمرون بمصيبة، ونمر بمرحلة «نكون أو لا نكون»، وهذا هو وضعنا الحالي بكل صراحة، ونستطيع إدراك ذلك بالنظر إلى كم القتل الذي يحدث بيننا، ففي العراق وسوريا وليبيا واليمن نقتل بعضاً، لماذا نحن نقتل بعضنا البعض بأيدينا؟ إذن هناك خلل في أخلاقنا، فنحتاج أن نصلح هذه الأخلاق، ولا يتم إصلاحها إلا بالالتزام والدين والإيمان، ونحن نأمل من وسائل الإعلام أن تدعو إلى ذلك.

أما إذا أردنا الزوال فنحن مع الذين يريدون لنا الزوال، فهم من يزينون لنا الطريق، فمعظم ما لدينا الآن قتل وذبح وتفجير وغيرها من الأعمال المحزنة، وما يحدث في سوريا الآن له العجب، حيث إننا نعلم من الأخبار أن إحدى المناطق فيها تم تحريرها من محتل ثم نعلم في خبر آخر أنه تم احتلالها من محتل مختلف، ومناطق أخرى تحتل وتحرر ثم تحتل من محتل آخر، فهذه الأحداث لا يقبلها أي عقل، وكذلك الحال في العراق فنشاهد إحدى الفرق تحكم منطقة وبعد فترة نعلم أنها انتقلت لحكم منطقة أخرى، والتبديل مستمر، فكل يوم تنتقل من مكان إلى مكان، وكذلك ليبيا، ولنا سؤال هنا «هل هذا يحدث بدون دمار؟»، والإجابة: «طبعاً لا»، فالأخلاق دمرت، والأطفال شردوا، والقيم زالت، والموروث الشعبي اختفى، والموروث القومي تلاشى، فكل شيء ضاع، فعندما ترى مدينة بسوريا الآن، أو الموصل وحتى ليبيا كذلك، هل هذا المنظر منظر ناس متحضرة؟ بنايات مهدومة والشوارع مهدومة، فالمنظر بصراحة يتطلب أن يصرخ الكل قائلا «كفاية»، حتى لو كان آخرون منا هم من عملوا ذلك.

وتابع: كنت أتحدث في المناسبات زمان وكنت أخاطب الغرب وأمريكا في محفل وأقول أنت تتكلم الآن وتقول ديمقراطية وأنا غاطس في الوحل، إذاً بدلا من أن تمد يدك لتنتشلني تضع حذاءك على رأسي! «طيب انتشلني أولاً بالعلم وبالمعرفة»، ولذلك إذا كنا نحن في وحل فعلينا أن نجد طريقة نخرج بها من هذا الوحل، بالعلم والمعرفة والترقي والتفوق، يعني إلى الأحسن، وهذه كلها تريد الاستقرار وتريد كذلك نية حسنة، فإذا كانت النية خائبة فلا فائدة، ولذلك نحن نتمنى إن شاء الله، أن تكون هناك هبة للعالم العربي، ليس للتحرر وليس لحكم فلان ولكن فقط لإعادة الأخلاق الإسلامية مرة أخرى في هذه الأمة.

وأنا أنظر لها كما ذكرت في مسرحية «داعش والغبراء»، وكأننا وصلنا إلى مرحلة صعبة كما حدث في المسرحية وأتى الإسلام وانتشلهم مما كانوا عليه، فنحن نريد أن يحدث هذا تماماً، وإن شاء الله هذا على الله ليس ببعيد.

دعوة لوسائل الإعلام

عن رسالة وسائل الإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة، قال صاحب السمو حاكم الشارقة: نحن لا نأتي بمشكلاتنا ونضعها على مشجب المؤامرة والاستعمار، فالله سبحانه وتعالى أعطانا عقلا، ونحن نعلم جيداً أين نضع أقدامنا، وليس هناك داع لوضع هذه المشكلات على مشجب المؤامرة فبابك عندك وبإمكانك إغلاقه، وبإمكانك كذلك منع من لا تريد دخوله عليك، وأن تعلن أنك هكذا، وهناك شعوب فعلت هذا، فدولة اليابان أغلقت على نفسها لمدة سنوات طويلة، وكانت في هذه الفترة تبنى في الداخل، ونفس الحال كانت تمر به كل الدول تغلق نفسها، ولكننا نحن لا نغلق أنفسنا، بل نفتح الباب على مصراعيه وكأننا نقول: فليأت من أراد أن يأتي ويعبث في البلد»!

ولذلك نحن ننظر إلى هذا الواقع المرير ونحاول التغيير إلى الأفضل، ويجب في هذه الفترة أن تتصاعد أصوات الدعوة إلى التفاهم والتعاون ونفع الناس والبلاد والإسلام، ونحن نتمنى من الصحافة أن تكتب في هذا الباب، ففي الشرق الأوسط يضعون جدول الصلاة في كل بلد، وذلك لينتفع الناس به في السفر، وهذه أيضاً دعوة إلى الخير، ومن المفروض أن تحتوي الصحف على كل ما يدعو إلى الخير، فهذا القليل من الدعوات يمكن له أن يؤثر في الكثير، لأن ما يحدث الآن هو «زبد» لا ينفع الناس، ففي أوروبا الناس تسير بالقانون، وإذا كان الفرد في ظلام وبعيداً عن الأنظار فإنه يفعل ما يشاء، ولكن أنا في بلدي لا أفعل هكذا، فلدينا رقيب وضعه الله سبحانه وتعالى على أكتافنا، وهو أقرب إلي من حبل الوريد، ولذلك على الإنسان المؤمن أن يخشى الله حتى في الظلام الدامس، ومن المحزن أننا الآن نفتقر إلى تلك الأخلاق التي كانت تحكم الناس في السابق، علماً بأننا نستطيع أن نلغي هذا القانون عندما نكون مسلمين إسلاماً صحيحاً، فحينها لا حاجة لنا بالتوجيه، ولكننا الآن مضطرون إلى هذا القانون لأن في واقعنا الحالي فلت زمام بعض الأمور، ونتمنى أن يردع هذا الكلام الكثير من الناس ممن لديهم النية بالتحدث أو بالخروج عن المنطق الأخلاقي، فنحن نتمنى ذلك ويمكن أن يكون القانون هو الوسيلة الوحيدة حالياً لتقويم الناس.

إصلاح المجتمع بالإسلام

وتابع سموه حديثه قائلاً: العمل الصحيح يبدأ في مكونات المجتمع الأساسية، وهي الأب والأم والأولاد، فهنا يكمن العمل الحقيقي، ولا يلزم أن يكون العمل معهم بالثقافة أولاً، بل يبدأ العمل بالتربية، فيجب أن يكون الأب لديه الطريقة السليمة، وقطعاً هي ليست الواردة من أوروبا، إنما هي طريقة التربية الإسلامية التي نشأ عليها، وكذلك المرأة نريدها أن ترضع ولدها القيم وليس فقط ترضعه الحليب، لتعلمه وتفهمه مبادئ وقيم وأخلاق الإسلام، ففي السابق لم يكن هناك التلفزيون ولا وسائل الإعلام المختلفة كما هو الآن، ولكن كان لدينا «عجوز» تجلس وتقص علينا الحكايات، وكانوا يطلقون على هذه الحكايات «خراريف»، و«الخروفة» من الخرف، وهذا يعني أن هذه العجوز تتكلم بأشياء من الخرف، ولكنها كانت تقص حكايات مملوءة بالقيم، وبطريقة يتقبلها هؤلاء الأطفال، فكان الطفل يتفاعل مع هذه الحكايات ويخاف بالتخويف ويتشجع بالتشجيع، وكانت العجوز تروي وكانت هي نفسها لا تعلم لماذا تروي، ولكن كانت هذه هي عادة المجتمع، ولذلك التربية تبدأ هنا من الصغر، فأبناؤنا وبناتنا الذين أعطاهم الله الإمكانيات ليتزوجوا ويبنوا بيوتا، يجب عليهم أن يؤسسوا هذه البيوت على الحق وليس على غيره، ولا ينشغلوا بالنتائج بعد هذا التأسيس السليم، فقط «صب القوافي في قوالبها»، لأن الوالدين لن يكونا مسؤولين عن هذا الابن عندما يكبر، فالأب والأم عليهما أن يزرعا في الصغر ليحصدا ثمار الأخلاق والقيم بعد الكبر.

سردت الكتب للطلبة في الحارة..

تحدث صاحب السمو حاكم الشارقة عن أسلوبه في الكتابة، وأثر تجربته السردية في مجمل مؤلفاته قال سموه: «كنت راوياً، أسرد الكتب للطلبة في الحارة، وكنت استخدم أسلوبي في نقل الكتب، لذلك طغى عليّ السرد الروائي منذ كنت طفلاً، لذلك يجد القارئ هذا الأسلوب ظاهرا في مجمل مؤلفاتي، إضافة إلى أنني حريص على جودة النص فأعيد قراءة الفصل الواحد ما لا يقل عن عشر مرات، وأتحرى الدقة والمصداقية في نقل أي معلومة ترد في الكتاب، ولا أتردد في حذف الكثير، حتى أصل إلى مستوى الكتابة الذي أظهر فيه».

وقال سموه: «الثقافة أبوابها كثيرة، وتحتاج إلى وسائل، وبنيان صحيح، فهي ليست كوب ماء اشربه، وإنما هي تراكمات، تُأخذ من الصغر حتى الكبر، وهذه الثقافة تحتاج قبل كل شيء إلى الأخلاق، فحتى كلمة ثقف في العربية، ترجع إلى ثقف العود أي أزال عنه الشوك والأغصان الزائدة».

إصدارات جديدة

كشف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عن إصداراته الجديدة قائلاً: لنا 3 إصدارات جديدة ستصدر قريباً: الأول عن مخطوطة مفقودة منذ 200 عام، يسرد فيها أحد الرحالة وصفاً لسواحل الخليج العربي كلها، وقد وقعت الوثيقة بين يدي بعد أن كان العالم والبرتغاليون تحديداً يبحثون عنها، فأعمل على إصدارها بحجمها وشكلها الكامل، لتكون خدمة لمراكز البحث، والدارسين في تاريخ المنطقة». وسيكون الكتاب ضخماً وسيتوفر بثلاث لغات هي: العربية والإنجليزية والبرتغالية.

وأضاف: ويحمل الكتاب الثاني عنوان «إني أدين»، وهو مخطوطات حول المعاملة السيئة التي تلقاها المسلمون في الأندلس، وهي عبارة عن وثيقة لمحام يرافع فيها عن المسلمين، فأقوم بدوري بتقديمها وعرضها على الشعب الإسباني، وأقول: «إني أدين»، حيث أعتبر هذه المخطوطات أكثر ما أكتبه خدمة للإسلام.

أما بالنسبة للكتاب الثالث فقد أوضح سموه أنه يستكمل ما بدأه من تأريخ لإمارة الشارقة، ويأتي بعنوان «الشارقة بين الحماية والاستعمار»، إذ يبين فيه ما كانت عليه الشارقة بعد أن تحولت إلى قاعدة عسكرية كاملة، تجمع أعداداً كبيرة من الجيوش عقب نقل القوى العسكرية الاستعمارية من عدن إلى الشارقة.

مراكز أبحاث الصحف

أكد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، أهمية أن يكون للصحف مراكز أبحاث خاصة بها، تصدر أبحاثا ومواد مدروسة، ويستطيع القارئ الرجوع إليها للتثبت من صحة المعلومات.

وقال سموه: نتمنى على الجرائد أن تقوم بعمل مراكز أبحاث تنفق عليها، يعني مثلاً الآن في النيويورك تايمز هناك مركز ابحاث تابع للصحيفة لو كتب واحد من كتاب الصحيفة عن موضوع ما ترجع إلى هذا المركز وتسأله: هذا الكلام صح أم خطأ؟، حتى لا تنشر شيئا خطأ وأنت لا تعلم.

كنت أقرأ مقالة لكاتب معلوماته من زمان، من سنة 1956، فهي لا تصلح اليوم، ولذلك نقول إن هذه المراكز ضرورية، كما هو الحال في جمهورية مصر العربية لديهم مراكز بحثية إخبارية يأخذون منها العلم والمعرفة، لذلك يجب أن يكون لكل جريدة مركز للمراقبة والتوجيه، ونحن نتمنى للصحف الأربع الموجودة في دولة الإمارات التوفيق.

لماذا الحضانات؟

قال صاحب السمو حاكم الشارقة: سألني أحد الأشخاص قائلاً: لقد قمتم ببناء 66 حضانة، لتستقبل الأطفال من عمر 6 أيام، فهل ستحصدون بأنفسكم ثمار ما تزرعونه الآن في هذا الطفل عندما يكبر؟ فأجبته أنا لا أنتظر أن أحصد ثمار ما زرعته، وإنما أهتم بالأطفال منذ سن الحضانة للأسباب التالية:

- أضع القوافي في قوالبها.

- أزرع في هذا الطفل كل ما هو جميل وصحيح من قيم ومبادئ وأخلاق.

-  أزرع لبناء جيل لديه فكر صالح راسخ في نفسه.

لذلك يجب علينا الاهتمام بالتربية الأساسية في المدارس والأندية وفي كل الوسائل هناك نزرع، وهذا إذا أردنا الخلاص.

ديغول منح الجزائر استقلالها ليكسب عبد الناصر

تحدث صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عن الثقافة والحكمة في التفكير السياسي، قائلاً: سُئِلَ شارل ديغول الرئيس الأسبق لفرنسا، لماذا كلما أردت اتخاذ قرار هام وعقدت له اجتماعا مع كافة الوزراء، تحرص دائماً على أن يجلس بجوارك وزير الثقافة مورو ، بينما كل الوزراء متواجدون؟ فأجاب ديغول: «لأن وزير الثقافة يذكرني بإنسانيتي».

وتابع سلطان قائلاً: سأل ديغول وزير ثقافته كيف استطيع أن أكسب ود العرب الذين تُمَجِد فيهم؟ فأجابه: بأن ترضي الزعيم العربي جمال عبد الناصر، رحمة الله عليه، فإذا كسبت الزعيم العربي جمال عبد الناصر فإنك ستكسب العالم العربي بأكمله.

فسأله ديغول: كيف يمكنني أن أكسب الزعيم العربي جمال عبد الناصر؟

فأجابه: عليك أن تعطي الجزائر استقلالها.

فقال ديغول قاصداً الجزائر: «الآن عرفتهم»، وعمل على استقلال الجزائر.

وهنا نرى كيف تمكن الإنسان المثقف من تحقيق أهدافه بدون أن يحمل أسلحة ويطلق نيرانا، باستخدام الكلمة الصادقة والتوجه الصحيح.