مكتبة الصور

عرض الكل

سلطان.. صحفي سري قبل 62 عاماً

عاشق لتراب مصر، بينه وبينها حكاية حب ونضال، منذ تخرج صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة في جامعة القاهرة، خلال النصف الأول من القرن العشرين، وفي زيارته الأخيرة لمصر كرّمته الجامعة باعتباره أحد أبرز خريجيها، في حفل أقيم بمناسبة منح سموه درع الشخصية المتميزة لعام 2018، كما زار نقابة الصحفيين وافتتح مركز التدريب الصحفي والإعلامي.

زار الدكتور سلطان القاسمي مصر التي طالما عبر عن حبه الشديد لها، وكان ينوي زيارة «آخر ساعة» لكن الظروف لم تسمح، فاعتذر عن عدم الزيارة ومن خلال مندوب أرسله إلى المجلة بعث برسالة سجلها بصوته، وفيها كشف أنه كان المراسل الصحفي السري الذي يرسل معلومات وصوراً خطيرة من داخل القاعدة البريطانية في إمارة الشارقة إبان العدوان الإنجليزي على مصر، وهو ما يكشفه الملف الخاص الذي أعده أحمد الجمال لمجلة «آخر ساعة».

مصري الهوى

مصر بدورها لا تنسى فضائل حاكم الشارقة، وتعلم جيداً أنه «مصري الهوى» وفي هذا الملف تبرز كواليس المغامرة الصعبة التي قام بها قبل أكثر من نصف قرن، ونشرت في «آخر ساعة» في سبتمبر 1957، باسم الكاتب الصحفي الراحل جميل عارف، وكان الجميع يتساءل وقتها كيف تمكن صحفي مصري من التسلل إلى جانب القاعدة العسكرية البريطانية!

اليوم تكشف المجلة هذه الكواليس من وحي الرسالة التي بعث بها إلينا الجندي المجهول، آنذاك، سلطان بن محمد القاسمي.

لا يترك سموه، أية مناسبة إلا ويعبر عن مدى عشقه وارتباطه العميق بمصر منذ سنوات بعيدة، فالرجل الذي يحب أرض الكنانة طالما يؤكد في العديد من المناسبات أنه مهما قدم لمصر، ولكل الدول العربية، فهو قليل وقد لا يعرف الكثيرون أن سلطان القاسمي كان أول مراسل صحفي «سري» للقاهرة من داخل صفوف الاحتلال البريطاني، وهذا ما كشف عنه عبر رسالة سجلها بصوته أخيراً وأرسلها إلى «آخر ساعة» التي نشرت المواد والصور التي كان يرسلها إلى الكاتب الصحفي الراحل جميل عارف إبان العدوان البريطاني على مصر.

دور وطني عظيم

تعكس الرسالة الصوتية التي أرسلها الشيخ سلطان القاسمي إلى مجلة «آخر ساعة» الدور الوطني العظيم الذي لعبه في اختراق القاعدة البريطانية في إمارة الشارقة، وهي مغامرة محفوفة بالمخاطر، ولم يكن يقدر على تنفيذها سوى عاشق لمصر.

ومما سهل مهمة صاحب السمو الشيخ سلطان القاسمي لدخول القاعدة والقيام بهذه المهمة الصعبة أنه كان وقتذاك لاعباً في فريق كرة القدم التابع للقاعدة البريطانية، وبالتالي مسموح له بالدخول إليها، حيث كان يلتقط صوراً وينقل معلومات في غاية الأهمية ويرسلها عبر البريد إلى الكويت ومنها إلى القاهرة. لتصل إلى الكاتب الصحفي بمجلة «آخر ساعة» الراحل جميل عارف، دون أن يكشف الأخير عن مصدره والمعلومات الخطيرة، وكانت المجلة تكتفي بعناوين مثيرة مثل: («آخر ساعة» تكشف مؤامرة بريطانية جديدة في جنوب الجزيرة. بينما جاء تعليق إحدى الصور على نحو مثير: «آخر ساعة» تسللت إلى جوار القاعدة البريطانية في إمارة الشارقة واستطاعت أن تلتقط صوراً فوتوغرافية لقاذفات القنابل النفاثة التي حشدتها بريطانيا لتضرب بها الوطنيين في عمان بالقنابل الصاروخية).

نص الرسالة

وتنشر «آخر ساعة» نص التسجيل الصوتي الذي أرسله إلينا أخيراً صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي وفيه يروي كواليس ما جرى قبل نحو 62 عاماً:
(في سنة 1957 كنت لاعباً في فريق كرة القدم التابع للقاعدة البريطانية، وأنا كنت الوحيد العربي غير العامل في القاعدة.. أخذوني للانضمام إلى ذلك الفريق.. كنت انضميت قبلها بحوالي أكثر من سنة ونصف السنة وكان عمري 15 سنة ونصف السنة.. وأتى صيف 1956 للهجوم البريطاني على مصر.. وهو ما يعرف بقضية عدوان 1956 على قناة السويس.. وكانت فرصة، كنت أعرف كل حاجة في القاعدة وكل ما يدور هناك.. بعد تلك الحادثة عام 1957 في الصف أنا كنت هناك وكان عندنا ترتيبات لبعض المباريات وبعض العاملين في استراحة المطار. والذين يعملون في المطبخ التابع للاستراحة.. وهي استراحة المطار، فذهبت إلى هناك لأخذ المواعيد والترتيبات، فوجدت رجلاً كان يريد حاجات.. وكان يعرف عربي.. فأنا ضحكت.. قال لي: أنت عربي؟.. قلت نعم أنا عربي.. سألته انت من وين؟ قال أنا من مصر.. قلت له: جاي البلد هنا أي مساعدة تريدها؟ قال أنا طلبت أجي هنا فمنعوني.. لكن أنا كنت في الكويت فركبت هذه الطيارة وانطلقنا من الكويت إلى البحرين للعبور إلى الشارقة.. فأنا في طريقي إلى الهند استغليت إني سأتأخر وأشوف كل شيء خلسة وأتغيب عن الطيارة.. قلت له لا تفعل هكذا.. وسألته: إيش تريد من هنا. قال أريد أن أتعرف على هذه القاعدة.. قلت له هذا أمر صعب.. لكن أنا عندي بطاقة تسمح لي بالدخول لأنني لاعب هناك.. وبالنسبة لك لن يسمح لك بالخروج من هنا، فأخذته معي في السيارة ودخلنا القاعدة ولفينا في الداخل وشاهد الطائرات وأراد أن يلتقط صوراً. لكنني قلت له لأ: أنا ممكن أصور وأرسلك وأعطيك معلومات كاملة.. لأن الوضع في المطار كان مضطرباً وكانوا جايبين 3 آلاف جندي من عدن ونزلوهم هنا، وقلت له هناك عدد كبير من الخيام الجديدة التي تم نصبها من أجل الأعداد الكبيرة لهؤلاء الجنود).
(وسألته: كيف أراسلك؟ قال هذا عنواني ولكن لا تكتب لي أنا.. أكتب لابنتي الصغيرة اسمها آية جميل عارف.. وسافر.. بعدها لما رجعت لاقيت الإنجليز يتساءلون وين راح هذا الرجل.. لأنه كان وقت إقلاع الطائرة.. قلت لهم أنا أخذته ليشاهد البلد.. قالوا لي: كيف تعمل هذا؟ قلت أنا: حسبت الوقت، لكن الوقت تأخر.. قالوا: على العموم تعال واركب).

كيفية إرسال المعلومات والصور

(كان السؤال: كيف سأرسل له ما اتفقنا عليه؟ لو أرسلت من خلال الشارقة تحدث مشكلة لأن الرسالة سيكون فيها صور، ولازم يشكون بي. لأن الملف البريدي سيأتي إلى القاعدة البريطانية.. ويقوم الإنجليز بفحص الملفات.. فكرت أن أرسل إلى الكويت. وعلمت أن هناك شخصاً اسمه سيف بن عودة يأخذ الرسائل من الأهالي هنا ويعطيها لأولادهم أو زوجاتهم في الكويت، وسألت كيف أتعرف عليه؟ قالوا لي إن له أخاً اسمه راشد بن عودة من الكويت.. عنده محل لكي الملابس، ذهبت وتعرفت عليه وأخذت ثيابي لأكويها عنده، وقلت له: متى يجيء أخوك.. قال أخوي وصل.. قلت: عشاكم عندي.. أنا عندي حمام.. سيف لا يقرأ، لكن تقول له هذا الخطاب لبيت فلان وهذا لبيت فلان، وهكذا بهذه الطريقة طلبت منه أن يحضر لي طوابع بريد في الكويت... وقلت له اسأل في البريد الرسالة التي تذهب إلى مصر كم تكلفة طوابعها وأخبرني؟ وأعطيته فلوسا ليشتري لي الطوابع.. وأنا ذهبت والتقطت صوراً في القاعدة بنفسي وبدأت أراسل مجلة «آخر ساعة» عن طريق سيف بن عودة في الكويت وأكتب العنوان البريدي على الرسالة وأضع طوابع زيادة عشان حتى لو تم وزنها وكان فيه وزن زيادة لا تكون هناك مشكلة.. ودور عودة هو وضع هذه الرسائل في صندوق البريد.. وبهذا الشكل كنت أراسل الصحفي اللي ما استطاع أن يدخل القاعدة وقد نشر الموضوع في «آخر ساعة» وكانت تلك هي المرة الأولى في العدد 1196 بتاريخ 25 سبتمبر 1957.. الناس كانت تتساءل: كيف دخل صحفي مصري إلى القاعدة؟! لأن الصحفي بالطبع لم يذكر اسمي.. وهذه حكاية المخبر الصحفي السري).

سلطان وحكاية عدد «آخر ساعة» في 25 سبتمبر 1957

في عدد «آخر ساعة» المؤرخ في 25 سبتمبر 1957 وبعدما حصل الكاتب الصحفي جميل عارف على صور ومعلومات حصرية للقاعدة العسكرية البريطانية في إمارة الشارقة، من خلال أول رسالة وصلت إليه بالبريد من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، نشر تحقيقاً صحفياً بعنوان («آخر ساعة» تكشف مؤامرة بريطانية جديدة في جنوب الجزيرة).. وفي السطور الآتية نعيد نشر نص أهم ما جاء في هذا التحقيق من تفاصيل متعلقة بهذه المؤامرة.
اكتشفت «آخر ساعة» مؤامرة بريطانية جديدة أن بريطانيا تدبر خططها الآن، وفي هذه الساعات بالذات، لكي «تلطش» إمارات جنوب الجزيرة التي تعيش فوق بحر من البترول.

وقد انتهزت فرصة تحول أنظار العرب إلى الأحداث والمؤامرات المحيطة بسوريا وانتهزت انشغال الدنيا بالموقف الحرج الذي نشأ بين روسيا وأمريكا.. وبدأت تستعد لتنفيذ المؤامرة.
إن الأنباء كلها تقول إن القوات البريطانية تستعد لما يسمونه هجوم الخريف ضد قوات الوطنيين الأحرار الذين يقاتلون في جبال عمان.
ولكن هجوم الخريف شيء.. وما تستعد له بريطانيا في الوقت الحاضر شيء آخر!!

لماذا تحشد بريطانيا قواتها؟ ولماذا أخذت تنقل هذه القوات على عجل بالطائرات الكبيرة من قبرص.. ومن قاعدة الحبانية في العراق؟ 

السر.. هو أن بريطانيا لم تعد أبداً تطمئن إلى نفوذها في مناطق البترول، إنها قلقة بسبب اشتداد وعي العناصر الوطنية في إمارات الخليج العربي على أثر الهجوم على عمان.

حاولت أن أتسلل إلى قلب جبال مسقط وعمان بلا فيزا.. وبلا جواز سفر.. كنت أحمل توصية خاصة إلى الإمام غالب بن علي إمام عمان من الأمير صالح بين عيسى الحارثي..
وذهبت في إحدى السفن الشراعية التي تنتقل بين موانئ إمارات الخليج العربي لتنزلني عند نقطة معينة على ساحل عمان.. وعند هذه النقطة كان مبعوث خاص من عند الإمام في انتظاري ليقودني إلى مقر الإمام غالب في الجبال.
وفشلت الخطة.. كانت السفن الحربية البريطانية تحاصر شواطئ مسقط وعمان.. وكانت هذه السفن تفتش قوارب الصيد والسفن الشراعية بحجة البحث عن الأسلحة والحيلولة دون تهريبها إلى الوطنيين المجاهدين في عمان.

إن الحرب ما زالت مستمرة بعنف في قلب الجبال في عمان.
وأعلنت السلطات البريطانية عن مكافأة قدرها عشرة آلاف ريال لكل من يقبض على الأمير طالب بن علي شقيق إمام عمان حياً أو ميتاً..
إنهم يتعاملون في عمان ومسقط بريالات ماريا تريزا النمساوية.. وهي نفس الريالات التي يتداولها الناس في اليمن.. وتقدر قيمة هذه المكافأة بنحو ثلاثة آلاف جنيه مصري..
فشلت محاولتي للوصول إلى مقر قيادة الإمام غالب.. فشلت خطتي.. ولكنني نجحت في أن أتسلل إلى جوار القاعدة البريطانية في إمارة الشارقة.. وهي إمارة تتاخم حدودها مسقط من الشمال. 

وفي هذه القاعدة عدة مطارات عسكرية.. ومن هذه المطارات كانت قاذفات القنابل. ولا تزال تخرج لتضرب الوطنيين في عمان بالقنابل الصاروخية.
رأيت طائرات كثيرة وهي متجمعة على أرض أحد هذه المطارات.. ورأيت قاذفات قنابل ثقيلة من طراز شكلتون.. ورأيت طائرات نفاثة.. من طراز ماتيور.. ورأيت حاملات الجنود البريطانية الكبيرة من طراز بيرفلي.. كان منظر الطائرات مفاجأة مثيرة.. لم أكن أتصور أن بريطانيا قد استخدمت في هجومها على عمان هذا العدد الكبير من الطائرات.

وقال لي واحد كان يرافقني (يقصد سلطان القاسمي): نقلت حاملات الجنود أكثر من ثلاثة آلاف جندي من جنود سلاح الطيران البريطاني إلى إمارة الشارقة.. ولما أتمت نقل الجنود عادت الطائرات إلى البحرين لتنقل براميل البترول اللازم لتموين الطائرات أثناء العمليات الحربية..
لقد رأيت استعدادات رهيبة.. وكان من السهل علي أن أدرك أن بريطانيا تتأهب لعمليات عسكرية جديدة في هذه المنطقة.

وعرفت سر كل هذه الاحتشادات العسكرية..

سمعت همساً حول مشروع جديد.. يتم التجهيز له في الخليج.. ومن هذه الإمارات دبي.. ويزيد عدد سكانها على الستين ألف نسمة.. والشارقة وأبوظبي وإمارات أخرى هي: رأس الخيمة.. والفجيرة.. وأم القيوين وعجمان..

المصدر: مجلة آخر ساعة – أحمد الجمال