مكتبة الصور

عرض الكل

موضوعية تخاطب العقل

سلطان يكتب بمداد الضمير

في أعمال ومؤلفات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، وحدة موضوعية وفكرية؛ تشير إلى مشروع كبير للكتابة، وهو حاضر في جميع المؤلفات بالقضايا العربية والانتماء إليها، وتعد هي الرابط الذي يجمع بين ذلك التنوع الإبداعي في كتابات سموه في مجالات السرد والمسرح والشعر والسيرة الذاتية والمقالات؛ لذلك بقيت أعماله راسخة في أذهان الناس في كل مكان؛ حيث تحفل بالمواضيع المتعددة، وتنتصر لقيم العروبة والإسلام، وهي مؤلفات احتشدت بالأفكار والمعاني، وجالت في التاريخ، وحرصت على أن تطل على الواقع الاجتماعي.

لا شك أن المطلع على الأعمال الأدبية والتاريخية والمتعلقة بالتراث، لصاحب السمو حاكم الشارقة، يجد نفسه في رحلة معرفية توفر المتعة والفكرة معاً، وتحض على القيم والأخلاق النبيلة، والملاحظة اللافتة هي تلك القدرة على الإحاطة بالموضوع المعين، خاصة على مستوى الكتابات المتعلقة بقضايا التاريخ والتراث، والبحوث التي تستند على المراجع الأصلية والوقائع، أيضاً يقدم سموه تحليلاً مبتكراً؛ من خلال المؤلفات التي تتناول العالم العربي وقضاياه وأسئلة الحرية والنهوض، كما تعمقت مؤلفاته في قضية الاستعمار والنضال ضده في العالم العربي، قدم من خلالها سموه أفكاراً ورؤى؛ تعبر عن ثقافة واسعة، ومقدرة على التفكيك والتحليل، مع تجربة استطاع من خلالها سموه أن يوظف لغة سهلة حتى في أكثر الأعمال تعقيداً؛ وذلك من أجل أن يستطيع مختلف القرّاء الاطلاع على تلك الأعمال بيسر، وفهم رسائلها بسهولة.

مكانة خاصة

من الطبيعي أن يكون للشعر مكانة خاصة عند صاحب السمو حاكم الشارقة، فقد كتب عدداً من المؤلفات والكتب ذات الطابع التوثيقي والتأريخي، لجده الشيخ سلطان بن صقر بن خالد القاسمي حاكم الشارقة «1924  1951م»، مثل: «نشيج الوداع  القصائد الأخيرة للشيخ سلطان بن صقر بن خالد القاسمي». و«مساجلات شعرية بين الشيخ سلطان بن صقر وصديقه الشيخ محمد بن عبد العزيز الصديقي»، و«الطيب في قصائد الشيخ سلطان بن صقر القاسمي»، فهو من خلال تلك المؤلفات يبحر في عوالم التجربة الشعرية لجده، ويعيد تسليط الضوء عليها، خاصة أنها أشعار امتازت بالفصاحة والجزالة والأصالة العربية، ويأتي الاهتمام بها في سياق المجهودات المبذولة في نشر الأدب الإماراتي في بدايات القرن العشرين، وهي عملية لها أهميتها الكبيرة في المحافظة على المنتج الشعري لمبدعي الإمارات، خاصة في مجالي النظم الفصيح والنبطي، وكذلك في مجال حفظ اللغة العربية، عبر التوثيق لتلك الأعمال التي تحتشد بالمفردات والألفاظ الأصيلة، ولقد قدم صاحب السمو حاكم الشارقة، جهداً معرفياً كبيراً في هذا الصدد، فقد عمل على تحقيق تلك الأعمال وشرحها بطريقة أدبية ممتعة ورفيعة؛ تشجع القارئ على الاطلاع عليها.

جهد كبير

لعل من الملاحظات الكبيرة في الأعمال السردية لصاحب السمو حاكم الشارقة، أنها تعبر عن جهد كبير في مجال البحث والتقصي والتوثيق، فالكتابة مسؤولية يتولاها المؤلف حتى لا يضع القارئ أمام حقائق ملتبسة، وتحفل عوالمه السردية بالفكرة والمعنى، وتسافر معظم تلك الأعمال في رحلة عبر التاريخ، فتحاوره وتحاكمه وتستلهم قيمه، من أجل أن تطل على الواقع الراهن، وهي أعمال، إلى جانب قيمتها المعرفية، حافلة بالمتعة والجمال، فهي ليست محض سرد يتناول التاريخ؛ بل يعالج الراهن من القضايا الشائكة والمشتبكة؛ من أجل تقديم الحلول والمساهمة في تفسير الواقع

في عمله السردي الرائع «الأمير الثائر»، يقدم لنا، صاحب السمو حاكم الشارقة، متعة بصرية وفضاء تأملياً؛ من خلال وقائع حقيقية جرت في الماضي، والمتمثلة في قصة الأمير مهنا بن ناصر بن حمد الزعابي؛ ذلك الفارس العربي الذي ثار ضد سيطرة الفرس على العرب القاطنين في ساحل فارس، ومن خلال السرد الممتع، نتابع حكاية ذلك الأمير الفارس، عبر بطولاته وانتصاراته المتعددة على كل من حاول التصدي له من فرس وعرب وهولنديين وغيرهم، وفي هذا العمل الروائي، نقف على الأساليب والأدوات السردية لصاحب السمو حاكم الشارقة، من خلال قوة الوصف، وسلاسة اللغة وحلاوة العبارة، ومهارة السرد المتدفق الشيق، وهي تقنيات أضافت إلى العمل قوة جمالية، خاصة أن الرواية تطل على مرحلة تاريخية ذات أهمية خاصة عند العرب، ومن أجل ذلك عمل سموه، على ضبط الوثائق والمراجع التاريخية بدقة شديدة، الأمر الذي منح العمل مصداقية وبعداً جمالياً في ذات الوقت.

عالم متلاطم

أما رواية «بيبي فاطمة وأبناء الملك»، فهي مزيج ساحر بين السرد والتاريخ، وتقف عند مرحلة مهمة في التاريخ العربي، وتتناول بعض ظواهر الهوس الديني المتفشي آنذاك في أوروبا، وهي تحكي عن تاريخ مملكة هرمز ابتداءً من عام 1588 حتى 1622 بانتهاء الاحتلال البرتغالي، وهزيمتهم أمام الإنجليز، وتطل الرواية على عالم متلاطم من صراع محتدم، وهو المتمثل في قصة بيبي فاطمة، المعقدة والمتشابكة، فالعمل يطرح العديد من القضايا عبر فصول الرواية الخمسة، بحبكة متقنة، وأحداث متلاحقة، ليجد القارئ نفسه أمام تفاصيل عمل ممتع خاصة في ما يتصل بأسلوبية السرد وقوة الوصف للحياة الاجتماعية في هرمز، كما أنه يقدم وعياً وأفكاراً، فعلى الرغم من صغر حجم العمل الروائي فإنه جاء شديد العمق، ويستند إلى أكثر من 35 مصدراً تاريخياً ووثيقة.

السهل الممتنع

في رواية «الشيخ الأبيض»، نقف على تفاصيل قصة حقيقية واقعية حدثت في التاريخ في بداية القرن التاسع عشر، وهي تنتمي إلى مدرسة القصة التاريخية التي تعتمد على الوثائق والمخطوطات العلمية، في ما يكون الأدب حاضراً عبر الأسلوب السردي، وهو الأمر الذي نجح فيه سموه، عندما طرز تفاصيل رواية من نسيج قماش الوقائع التاريخية، بلغة تنتمي إلى السهل الممتنع، وتحكي عن شخص أمريكي أسره أحد العمانيين «محمد بن عقيل»، وهو طفل في التاسعة وتبناه كابن له، وقد قام صاحب السمو حاكم الشارقة في سبيل التقصي والبحث، بزيارة إلى عدد من الأماكن والمتاحف ومراكز الوثائق، من أجل تقديم عمل ممتع وحافل بالتجربة والفكرة.

ومن الأعمال السردية الرائعة، هنالك رواية «رأس الأمير مقرن»، ونلمس من خلالها ذلك الجهد الكبير من البحث المضني، والذي يهدف إلى سد ثقوب الوقائع التاريخية، من خلال الإحاطة بما سقط من تفاصيل مهمة، وما غاب من حوادث التاريخ، كما أن هناك تصحيحاً دقيقاً وموثقاً للأخطاء التاريخية، ويعتمد السرد على الجمع بين أحداث وحكايات متناثرة، وأماكن مبعثرة، يربط بينها خيط رفيع استطاع صاحب السمو حاكم الشارقة أن يوضح ذلك الخيط ويبرزه، من خلال الحبكة والبناء الدرامي والشخوص والوقائع، فالرواية تعبر عن مقدرة كبيرة لسموه في النفاذ إلى حقيقة الأشياء؛ عبر تناول فكري وجمالي في ذات الوقت، وتكتسب الرواية أهميتها من كونها تتناول أحداثاً واقعية في التاريخ العربي والإسلامي، وهي ذات أهمية كبيرة، وسيجد القارئ للعمل، إلى جانب الحقائق الموثقة، حلاوة السرد الذي هو بمثابة دفقة شعورية بديعة تلامس القلوب.

إضاءة مهمة

وفي رواية «فيليب العربي»، نقف من خلال أحداثها على حياة الإمبراطور الروماني فيليب العربي، وهو «ماركوس يوليوس فيليبس»، «إمبراطور روماني من أصل عربي»، ولد نحو سنة «204م»، في قرية بالقرب من مدينة بصرى الشام، عُرفت في الفترة الرومانية باسم «فيليبوبوليس - مدينة فيليب»، وعُرفت في ما بعد باسم «شهبا»، وقد عرف عن ذلك الإمبراطور، قوة الشخصية وأثره في الحياة السياسية في الإمبراطورية الرومانية، والعمل هو إضاءة على تلك الشخصية المهمة، كتبت بأسلوب سلس وممتع، واستهدفت إزالة الظلم التاريخي الذي تعرضت له الشخصية، لكونها لم تذكر كثيراً.

رحلة باذخة

برع سموه، في مجال إبداعي مهم، وهو كتابة السيرة وسرد الذات؛ وذلك من الأجناس الإبداعية ذات الخصوصية في الأدب؛ حيث يهتم بالشخوص والأماكن، وفي كتاب «سيرة مدينة»، يأخذنا سموه في تفاصيل رحلة باذخة الجمال، ووفيرة المتعة، خاصة أنها تتعلق بإمارة الشارقة؛ حيث يعمل الكتاب على رصد تاريخها، وإبراز جمال أماكنها.

وفي كتاب «سرد الذات»، نعيش تفاصيل مزيج رائع بين الأدب والفكر والسرد، فهو يحمل توثيقاً للكثير من التفاصيل الحياتية. 

توظيف المعلومات

في المؤلفات التاريخية لسموه، لا نقف فقط عند ولعه الكبير بالتاريخ؛ بل وكذلك بدقة التوثيق والبحث من أجل تأليف مادة تثق فيها الأجيال.

ويستكمل صاحب السمو حاكم الشارقة في كتاب «نظم الفوائد في سيرة ابن ماجد»، جهده البحثي في تصحيح التاريخ العربي والإسلامي، خاصة في ما يتعلق بسيرة البحار العربي أحمد بن ماجد، وهنالك أيضاً كتاب «تحت راية الاحتلال»، و«رحلة بالغة الأهمية»، «وصراع القوى والتجارة في الخليج 1620-1820م»، و«زنوبيا ملكة تدمر»، و«مراسلات سلاطين زنجبار»، و«القواسم والعدوان البريطاني (1797 - 1820)»، وغير ذلك من مؤلفات تاريخية ثمينة؛ أثبت فيها سموه حقيقة أن التاريخ لا يكتب بالأهواء والقوة.

براهين وأدلة

ومن المؤلفات التاريخية المهمة، كتاب «إني أدين»، وهو كتاب يحاصر التاريخ الرسمي الزائف الذي سطره الإسبان.

 كتاب «محاكم التفتيش... تحقيق لثلاثة وعشرين ملفاً لقضايا ضد المسلمين في الأندلس»، مرجع ضخم يقع في جزأين، وهو يتناول محاكم سرّية، تمارس الإعدام والحرق، وأموراً كثيرة في حق المسلمين في الأندلس.

المصدر: جريدة الخليج