مكتبة الصور

عرض الكل

سلطان الخط

تزدهر الفنون كلما ارتبطت بدعم من الحكام والمسؤولين، فن الخط العربي هو أحد تلك الفنون التي حظيت باهتمام كبير من قبل الخلفاء والسلاطين والوزراء والقضاة وحتى الوجهاء والتجار.

في خليجنا العربي كان الخط محل اهتمام من قبل المعلمين في الكتاتيب، لذلك وجدنا أن أجدادنا رحمهم الله تعالى كانوا يتمتعون بخط جميل على الرغم من ندرة من كانوا يعرفون الكتابة والقراءة، حتى أن المجيدين منهم كانوا يعملون في دواوين الحكام كتاباً، وكان يسمى أحدهم بال «كراني» واشتهر عدد منهم في تلك الدواوين.

في عام 1990 كانت مشاركتي الأولى ضمن المعرض السنوي العام لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، والذي كان تحت رعاية من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، وكانت المرة الأولى التي ألتقي سموه وأتحدث إليه، عندما وصل إلى حيث أعرض لوحاتي ضمن المعرض، وأذكر أنها كانت لوحة فاتحة القرآن الكريم، والأخرى لبداية سورة البقرة، والثالثة لوحة أسماء الله الحسنى، تحدث يومها سموه إليّ حديث المهتم، وسألني أسئلة تنم عن معرفة ودراية بأهمية فن الخط وأصوله، وأذكر أن سموه سألني يومها عن أسباب كتابة البسملة بالخط الكوفي، في حين أن الآيات الأخرى كتبت بخط النسخ، حيث اعتاد الخطاطون على كتابة البسملة إما بخط النسخ وإما بخط الثلث، يومها تجرأت وأجبت بأنني أقلد بعض المصاحف التي كانت تتحلى بكتابة البسملة بالخط الكوفي، هنا ابتسم سموه ابتسامة العارف الذي أراد بسؤاله اختبار ما إذا كنت كتبت بذلك الخط عن دراية أم عن جهل.

توالت بعد ذلك لقاءاتي بسموه أثناء حضوره افتتاح المعرض العام لجمعية الفنون التشكيلية، كما توالى حضوري للجمعية بعد تأسيسنا لجماعة الخط العربي، وبدء الاستعداد لإنشاء مجلة متخصصة لفن الخط تعد الأولى في العالم التي تهتم بفن الخط، وأسميناها «الخطاط». 

بعد عشر سنوات من توقف «الخطاط» تم إصدار مجلة «حروف عربية» عن ندوة الثقافة والعلوم في دبي، وكان الحرص كل الحرص أن تصل هذه المجلة لسموه، وعندما لم تصل إلى سموه بعض الأعداد، إذ به يسأل رئيس تحريرها يوم عرضت المجلة في افتتاح ملتقى الشارقة لفن الخط العربي سنة 2014 هل ما زالت المجلة تصدر؟، لم تعد تصلني فاعتقدت أنها توقفت عن الصدور.

يرى صاحب السمو حاكم الشارقة أن الفنون الإسلامية مفخرة للعرب والمسلمين، يجب أن يطلع عليها العالم فيتعرفوا أي رقي وأي فن كان لأجدادنا، لذلك يحرص سموه أن يكون الخط العربي ضمن جدول الفعاليات الثقافية التي تشارك بها الشارقة في أسابيعها الثقافية التي نظمت في العديد من المدن ذات الأهمية الثقافية والحضارية.

لقد كان لهذا الاهتمام من سموه الأثر الكبير في الحفاظ على التراث الخطي العربي، وعودة الاهتمام به، بل يمكن للمتابع أن يقول أننا نعيش العصر الذهبي الثاني لفن الخط العربي. 

الحقيقة أنه لا يمكن أن نذكر علماً من أعلام فن الخط لم يمر على فعاليات دائرة الثقافة في الشارقة، إما كمكرّم أو كضيف شرف أو كفائز بمسابقة أو كمشارك في أحد المعارض.

وعندما نضجت تجربة بعض الخطاطين الإماراتيين كانت دائرة الثقافة في الشارقة تشجعهم على ضرورة أن يكون لهم كيان فني يضمهم، ويهتم بهم، فتحمس هؤلاء لتأسيس جمعية الإمارات لفن الخط العربي والزخرفة الإسلامية، هنا اكتمل العطاء وظهر الكرم السخي المعتاد من صاحب السمو حاكم الشارقة، فخصص مقراً لهذه الجمعية الوليدة في ساحة الخط في قلب الشارقة، بل وأمر سموه بمنحة سنوية حتى تستطيع الجمعية القيام بأدوارها وفق أهدافها المعتمدة.

بل إن سموه تفضل بافتتاح معارض الجمعية المرافقة لملتقيات الشارقة لفن الخط العربي، وعادة ما تكون هذه المعارض تحت عنوان «حروف إماراتية»، وتتضمن أعمال الخطاطين الإماراتيين الواعدين، وعادة ما نرى الإعجاب في عيون الأب الوالد سلطان بإنجازات أبنائه الذين كانوا بالأمس طلبة صغارا، واليوم تقارن لوحاتهم بأعمال أقرانهم من الدول الأخرى.

في ملتقى الخط الثامن ( 2018 ) رأيت الفرحة في عيني سموه، وأنا أقدم أبناءه من المواطنين الخطاطين حين قلت له: طويل العمر هؤلاء هم أبناؤك، وهؤلاء هم غرسك الطيب فبفضل الله ثم بدعمك أصبح هؤلاء خطاطين مهرة، فبدأ يتحدث معهم بأريحية الوالد، هنا انتهزت الفرصة فالتمست من سموه أن يشمل برعايته الكريمة مجموعة من المتميزين من الخطاطين الإماراتيين، للابتعاث لإسطنبول لصقل المهارات، والحصول على إجازات إضافية من كبار الخطاطين هناك، فما كان من سموه إلا أن وجه دائرة الثقافة ببدء الإجراءات لاختيارهم ومخاطبة المعنيين بذلك.

الأمثلة كثيرة والقصص عديدة، ولن يسعها مجلدات، فيكفي الجيل الحالي فخراً أن أصبحت الإمارات قبلة لفن الخط العربي، والشارقة عاصمة له، فشكراً سلطان الخط.. وشكراً سلطان الثقافة.. وشكراً سلطان الأدب.. وشكراً سلطان القدوة في حب الوطن وحب الانتماء للعروبة والإسلام.

المصدر: جريدة الخليج - خالد علي الجلاف