مكتبة الصور

عرض الكل

قلم سلطان يخاطب الضمير

الكتابة المدعومة بالوثائق والحجج الساطعة والبراهين الناصعة، في مجال التاريخ، لا تترك للمتخصص، أو حتى القارئ العادي أية فرصة لتجاوزها دون الوقوف عندها طويلاً، بل إن الكاتب في تلك الحالة من البذل المعلوماتي المكثف، يقدم رواية جديدة في التاريخ ومن أجل الحقيقة، لكونه يضيء على الخبايا المظلومة بفعل تزوير التاريخ، ويقدم أدلة جديدة مدعمة بالحقيقة والمعرفة، كاشفاً زيف الخداع والتضليل، باحثاً في الزوايا والمناطق التي لم تكن معروفة.

يقدم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في هذا الميدان إضاءات كثيفة على كل ما هو مهمل، أو تم تغييبه عمداً في غياهب النسيان، بل إن سموه يقدم حججاً جديدة ناصعة، من شأنها أن تفتح تلك الملفات التي نسيت، كما يقوم بدور المحامي البارع وهو أهل لذلك، عندما يطالب بفتح قضية طال قدمها، لأنه قد عثر من خلال بحثه على حقائق ووقائع جديدة، وهذا ما يفعله سموه من خلال كتابين مهمين، هما: «إني أدين»، و«محاكم التفتيش»، وقد صدرا عن منشورات القاسمي، وهما كتابان مهمان لنقد ما كان يجري، وتصحيح التاريخ المحرف، وإعادة الاعتبار للمظلومين، فالإدانة في كتاب «إني أدين»، هي إدانة ضدية؛ أي تقف غاضبة ضد إدانة سبق وتمت بلا قانون، ولا أدلة ولا عدالة، بل كان الحاضر فيها هو الظلم الشديد، بينما الإدانة في كتاب سموه هي تلك التي تأتي نتاجاً للوثائق والمستندات، وتوفر الأدلة والبراهين، وقبل ذلك هي تلك التي تتحرى العدالة، فهي مرافعة تخاطب ضمير الإنسانية، ولأن الوثائق هي حائط الصد المتين الذي ينطلق منه سموه، فهو يقدمها لتحضر كحجة على من ادعى في مؤلفه «محاكم التفتيش... تحقيق لثلاثة وعشرين ملفاً لقضايا ضد المسلمين في الأندلس».

مرافعة مدعمة بالوثائق

في هذا التحقيق نرى مرافعة مدعومة بكل متطلبات البحث الذي ينشد الحقيقة، خاصة أن الأكاذيب وقلب الحقائق قد ترتب عليها الكثير من الظلم للتاريخ والتراث العربي، ليس في الأندلس فقط، بل في كل العالم العربي، واتخذت من الوقائع المفبركة منصة للهجوم على العرب تاريخاً وثقافة وحضارة، والواقع أن كلا الكتابين يفرضان نفسهما بقوة على المشهد البحثي في ظل ندرة المصادر التاريخية المتعلقة بتاريخ المسلمين في الأندلس، فقد احتلت الساحة الكثير من المؤلفات الغربية التي تنحاز لوجهة النظر الرسمية؛ أي التاريخ المزيف الذي كتبه المنتصرون، وهو الذي ملأ الدنيا ضجيجاً ليسكت الأصوات القليلة التي صدحت بالحق، ومن هنا، فإن كتابي صاحب السمو حاكم الشارقة يستمدان أهميتهما من كونهما صوتاً مضاداً يحمل «لا»، كبيرة ضد من قالوا «نعم».

إضاءة مهمة

يتحرك البحث في كلا المؤلفين في جغرافيا الأندلس، داخل فترة زمانية معينة، وهي التي أعقبت سقوطها في الثاني من 2 إبريل من عام 1492، وكان آخر ملوكها هو «أبو عبد الله الثاني عشر» المعروف باسم أبو عبد الله الصغير، «1460 – 1527»، وقد كان ملكاً على غرناطة، وهو من بني نصر من ملوك الطوائف، وقد استسلم لفرديناند الثاني، وقد أطلق عليه الإسبان وصف «el chico»، أي الفرخ، بينما سماه أهل غرناطة «الزغابي»، وهو ابن «مولاي أبو الحسن»، الذي حكم مملكة غرناطة في الأندلس.

ولعل من أكثر المشاهد حضوراً في أذهان العرب تلك الحوارية العجيبة بين أبو عبدالله الصغير، ووالدته «عائشة الحرة»؛ إذ قالت له، زاجرة، في لحظة موجعة: «لا تبك كالنساء مُلكاً لم تحافظ عليه كالرجال»، ورغم ما في المقولة المشهدية من حمولة سالبة، إلا أنها عبرت في روحها عن الموقف، بل إن تلك الحالة البكائية تسربت من بين يدي تلك اللحظة من التاريخ، إلى كل العرب في كل العصور اللاحقة، فكان البكاء على أطلال الهزيمة، وهو موقف يشبه مشهد الزير سالم الذي طال مكوثه قرب قبر أخيه باكياً منتحباً، لكنه أفاق من تلك اللحظة، وبحث عن ثأر أخيه، غير أن الحالة الأندلسية جعلت العرب يقعون في مستنقع من الدموع دون إفاقة تذكر.

إن أهم ما يميز كتابي صاحب السمو حاكم الشارقة، أنهما يعبران عن فعل الانتباه والاحتجاج والمطالبة بفعل حقيقي، لن يكون أقل من الاعتذار، والواقع أن تاريخ ما بعد سقوط الأندلس لم يكن خالياً من الاحتجاج من قبل المسلمين هنالك، بل كانت لهم صولات وجولات من الانتفاضات والرفض، وهذا ما يوضحه سموه في هذين السفرين والمرجعين المهمين، من أجل كتابة تاريخ حقيقي، فالحقيقة هي التي تحرر البشر، ولذلك فإن كل المصالحات التي تمت في العصور الحديثة في كثير من الصراعات ذات الطابع المشابه، جاءت تحت شعار الحقيقة والاعتذار، والكتابان يتجاوزان تلك الحالة البكائية التي أشرنا إليها ليؤسسا لموقف جديد في التعامل مع قضية الأندلس على منهج من العمل، وليس الوقوف على الطلل.

نقض العهود

العنوان في كتاب «إني أدين»، يحمل دلالات وإشارات، فهو يأتي تتويجاً للنص وخلاصة له، فقد انتقل سموه من موقف البحث والتقصي والاتهام إلى لحظة جديدة عبرت عنها عتبة النص، وهي الإدانة، وما كان لسموه أن يطلق هذا العنوان لولا أن استقر عقله واطمأن قلبه على الحكم، ومن هنا يأخذ العنوان أهمية خاصة، تقود في يسر إلى المحتوى والمتن المحتشد بالأدلة الكافية لفعل الإدانة، فالكتاب يحتوي على عشر وثائق تقف دليلاً في وجه فئات من الشعب الإسباني في تلك الفترة التي أشرنا إليها، بمن فيهم من ملوك وقضاة ورهط من البشر، اتفقوا على إيقاع الجرم على البشر فكانوا شركاء في المسؤولية الجنائية، ويأتي ذلك رغم التعهدات التي تم التوقيع عليها من قبل الملكين الكاثوليكيين لأبي عبد الله الصغير بعدم المساس بالمسلمين في عبادتهم وأملاكهم، ولكنهم نقضوا عهودهم والتزاماتهم القانونية الموثقة، ومارس الإسبان الاستيطان في أراضي المسلمين، وعمدوا إلى جلب أعداد كبيرة من المسيحيين لإسكانهم في تلك الأراضي، بل وإمعاناً في السير في عملية الإقصاء تلك، قاموا بشراء المزارع والمساكن منهم، لكن مسلمي الأندلس انتبهوا للمكيدة، فامتنعوا عن بيع ممتلكاتهم، وأمام هذا التحدي، صادر «فيليب الثاني» أراضي المسلمين في غرناطة، وباعها للمسيحيين، الذين استمروا في الرحيل إلى الأندلس والاستقرار بها.

لم يستسلم مسلمو الأندلس، وكان الاحتجاج هو سبيلهم لرفض ذلك الظلم، ومواجهة إرهاب دولة سخرت القوانين من أجل خدمة مخططاتها، فكانت المقاومة هي السبيل الذي لجأ إليه المسلمون، قاوموا الإهانات والعنف والإعدامات التي كانت تجري لأتفه الأسباب، على إثر المحاكمات غير العادلة والتي تسمى بمحاكم التحقيق.

إدانات عشر يقدم صاحب السمو حاكم الشارقة، الأدلة الثابتة والقاطعة في رصد تلك الانتهاكات، وهو يقول في الكتاب: «وقد وضعت الوثائق في صورة إدانات أدين بها كل من قام بتلك الأعمال الشنيعة تجاه مسلمي الأندلس، كذلك الوقائع التي وقعت لأسباب تلك الإدانات، والمستند الذي يثبت تلك الإدانة في صورة وثيقة مستندية قاطعة الدلالة»، والإدانات العشر هي، الأولى: الإعدام لأتفه الأسباب، والثانية: الإهانات غير المتناهية التي تعرض لها شعب غرناطة، بعد أن قاموا بثورتهم المسلحة في مملكة غرناطة، نتيجة لاضطهاد الكنيسة، الإدانة الثالثة: مصادرة أراضي الموريسكيين المسلمين من قبل القصر الملكي، وبيعها للمسيحيين ممن وردوا على الأندلس، الإدانة الرابعة: اتخاذ أبناء وبنات الموريسكيين الذين ثاروا، والذين تتجاوز أعمارهم العاشرة والنصف للأبناء، والتاسعة والنصف للبنات، عبيداً للذين أوقفوهم، أو اعتقلوهم، أما الصغار فيستودعون عند أناس يربونهم ويعلمونهم الديانة المسيحية، الإدانة الخامسة: السجن لكثير من الموريسكيين الأبرياء، الإدانة السادسة: إجراءات التنصير على الموريسكيين وبخاصة على أطفالهم، الإدانة السابعة: طرد الموريسكيين من مملكة إسبانيا بغير رحمة، الإدانة الثامنة: مراقبة الذين لديهم تصريحات استثنائية لبعض الموريسكيين ليبقوا على الأراضي الإسبانية، الإدانة التاسعة: معاقبة كل من ارتحل إلى بلاد المسلمين، أكان للحج أم للتجارة، بفصل أولادهم عنهم وتربيتهم لدى الأساقفة ورجال الكنيسة، الإدانة العاشرة: طرد الموريسكيين من الأندلس بدون ذنب اقترفوه، فاتهموهم بأن هناك اتصالاً بينهم وبين الأتراك.

منهج فريد

ويتتبع سموه في الكتاب منهجاً فريداً، يعتمد على وضع الإدانات وتبيانها ثم عرضها ووضعها واحدة تلو الأخرى، ولأن الكتاب يستهدف أكبر قاعدة من الناس فقد اعتمد على لغة مباشرة بسيطة سلسة، بحيث لا يقع أي لبس يؤدي إلى تفسير مختلف، مع سرد الوقائع المتعلقة بكل إدانة، وإرفاق المستندات والصور والوثائق التاريخية الداعمة باللغتين الإسبانية والعربية، من أجل إقامة الحجة والدليل، ولئن كان العنوان قد حمل دلالات قاطعة، فإن الخاتمة قد حملت معاني إنسانية رفيعة وهي تخاطب الضمير الإنساني الإسباني، ويؤكد عليه بضرورة الإنصاف والاعتذار، فالحقوق لا تسقط وإن طالت عليها الأزمان، ويقول سموه في خاتمة الكتاب: «وعلى ذلك أختم بيّناتي المستندية، القاطعة الدلالة، برفعها للضمير الإسباني، ليعتذر عما أصاب المسلمين في تلك الفترة، وإرجاع حقوقهم إليهم».

23 ملفاً

أما كتاب «محاكم التفتيش... تحقيق لثلاثة وعشرين ملفاً لقضايا ضد المسلمين في الأندلس»، فهو مرجع ضخم يقع في جزأين، ولئن كان سموه يطل على ذات القضية التي تناولها في كتاب «إني أدين»، وهي «المسلمون في الأندلس»، لكن ثمة اختلاف بين الكتابين، وهو ما أوضحه صاحب السمو حاكم الشارقة بنفسه عندما قال: «إن هذا الكتاب يختلف عن كتابي السابق (إني أُدين) الذي يتحدث عن اتخاذ القرارات من الملك إلى الحكومة»، حيث إن الكتاب الجديد يتناول محاكم سرّية، تمارس الإعدام والحرق، وأموراً كثيرة في حق المسلمين، ويلفت سموه الانتباه لمسألة مهمة، تكسب الكتاب أهمية جديدة في سياق صنع خطاب محتشد بالمخطوطات، والوثائق والأدلة، وذلك عندما ذكر أن الشعب الإسباني ربما لا يعلم شيئاً عن تلك الجرائم، حيث إن المخطوطات التي تحمل في طياتها التاريخ المأساوي، ظلت محفوظة في سرية، وهذا الحديث يؤكد على فظاعة تلك الجرائم، فبقاء المخطوطات والوثائق في السر، يشير إلى الرغبة المؤكدة في إخفاء الجرم والتستر عليه، لكن عبر البحث المنهجي الدؤوب استطاع سموه الحصول على أكثر من 23 مخطوطة في صورة ملفات محاكمات، ليقوم بإشباعها بحثاً وتحقيقاً، لكن الكتاب يكشف عن ذات الأسلوب الذي يعرض الوقائع ويقيمها حجة في سياق البحث التاريخي، ولعل الفلسفة الكامنة في ذلك الأمر، خاصة فيما يتعلق بقضية الأندلس، هو الحقيقة والعلانية أولاً، ثم الاعتذار، وهذا منهج من شأنه أن يقود إلى حوار حقيقي، في سياق بحث العالم اليوم عن السلام والتسامح.

عوالم مظلمة

الكتاب يقودنا إلى تلك المجاهيل المظلمة في التاريخ السري لإسبانيا، حيث محاكم التفتيش بكل قسوتها، والتي تغيب عنها قيم القانون وتحري العدالة، ويكشف تلك المحاولات غير الإنسانية والمتمثلة في الإرادة القسرية للكاثوليك في تحويل المسلمين عن دينهم تحت مختلف أنواع الترهيب والتهديد، ويقول صاحب السمو حاكم الشارقة في الكتاب عن تلك المسألة: «بعد غزو الملوك الكاثوليكيين في عام 1492م لغرناطة، آخر ممالك المسلمين المتبقية في إسبانيا، أدخلوا تشريعاً يقضي بتحويل المسلمين في غرناطة عن دينهم، قسراً، إلى المسيحية، وإلا سيواجهون النفي. ورغم أن الأغلبية اختاروا التحول عن دينهم، بدلاً من النفي، إلا أن مجموعة الوثائق تبين أنه بعد أكثر من نصف قرن، واصل المسلمون المحافظة على لغتهم، وعاداتهم وممارسات دينهم. وهذا جدير بالملاحظة نظراً لحقيقة أنه في عام 1526م صدر مرسوم بتاريخ 7 ديسمبر، بنقل مقر مكتب التفتيش الذي كان حتى ذلك الوقت في (كوين Coin)، في ملاقة إلى غرناطة، حيث تم بذل المحاولات بإصرار (لإزالة نطاق ممتد من الثقافة والهوية المحلية)، والهدف هو حظر (ثقافة موروثة بأكملها وليس الدين ذاته فحسب). وتعكس إحدى الوثائق في المجموعة فشل السلطات في القيام بتنصير ناجح للمسلمين».

صمود

 يحمل كتاب «محاكم التفتيش» الكثير من الأوجاع، وهو ينقل سمات تلك المرحلة التاريخية في الأندلس، حيث الترويع وغياب الحس الإنساني كانا سيدا الموقف، لكن الكتاب، يحمل في ذات الوقت الكثير من الإشراقات التي تجعل العربي والمسلم يفخران بصمود المسلمين في وجه كل تلك العواصف العاتية التي واجهوا فيها النفي والموت شنقاً وحرقاً، ويرصد الكاتب من خلال هذه المحاكمات، صورة لعالَم مزدهر، فمجتمع المسلمين لم يتفكك أو يتشظى رغم كل المحاولات التي هدفت إلى ذلك، بل ظل متماسكاً، لم تتزعزع فيه الروابط القديمة، وعاشوا حياة الإخوة في الدين، يساندون بعضهم، ويتحدثون لغتهم الأم «العربية»، وعبروا عن أفكارهم حول الدين، وهذه مسألة في غاية الأهمية، فالظروف الصعبة التي عاشوها لم توهن هممهم، وهذا درس يجب أن ينقل إلى العرب في العصر الحالي، ويشير الكتاب إلى أن معظم المتهمين من المسلمين كانوا يتكلمون فقط باللغة العربية.

ويغوص سموه عميقاً داخل البنى التي يتكون منها مجتمع المسلمين حينها، حيث كان المتهمون عموماً، من الطبقات الاجتماعية الأكثر تواضعاً في الحياة، وكان معظمهم يمارسون مهناً هامشية، وبينهم العديد من النساء اللواتي أرضعن أولادهن محبة الدين والانتماء للهوية العربية. ويرسم صاحب السمو حاكم الشارقة، لوحة إنسانية، خاصة عندما يقول: «ومن خلال أداء الشهادات أمام القاضي، يمكن للمرء أن يحصل على انطباع عن مدى البساطة بين المتهمين الذين تم سحبهم من حياتهم الوادعة ليواجهوا آلة التفتيش التي لا ترحم. وكانت الأحكام الصادرة عن محاكم التفتيش قاسية جداً»، لقد كانت المحاكمات تجري بصورة بشعة، ومن الضروري أن يكشف غطاء السرية عنها اليوم، حتى يشهد عليها العالم أجمع، فقد كانت الأحكام شديدة القسوة، تقشعر لها الأبدان، وتهتز لها النفوس.

رواية للمستقبل

التاريخ يسرد هنا كحكايات، لكنها ليست كتلك المرويات التي لا تفعل غير أن تسرب أوجاع الوقائع متنقلة بها من عصر لعصر، بل هي رواية للحاضر والمستقبل، تفند وتحاجج وتحاكم وتدين، وهذا ما يجعلها حية لأن قضيتها حية، رواية لا تجنح إلى الخيال إلا بما يحفز مخيلة البشر على استيعاب ما حدث في تلك الأيام من ظلم وانتهاك وقسوة، وهو الأمر الذي يصعب على أي خيال بشري إدراكه.        

المصدر: جريدة الخليج – الملحق الثقافي