مكتبة الصور

عرض الكل

كشف عن تفاصيل مشروع كتابة تاريخ شبه الجزيرة العربية

سلطان القاسمي يحاضر عن «تاريخ الخليج الجغرافي»

ألقى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، مساء أمس الأربعاء، خلال افتتاح مقر منشورات القاسمي الحديث في منطقة الطرفا في مدينة الشارقة محاضرة حملت عنوان «تاريخ الخليج الجغرافي».

ورحب سموه في بداية المحاضرة بالحضور شاكراً لهم تواجدهم، وقال سموه: «أنتم اليوم في مكان عزيز علينا، حيث فيه نبع التفكير، ونبع الإيمان، حيث تصدر الكلمات من واقع حقيقي ليخرج للناس يانعاً يفيد الكثير من الناس الذين يحتاجون إلى المعرفة، ويزيد كذلك فيهم الحكمة».

وحول اختيار موضوع تاريخ الخليج الجغرافي عنواناً للمحاضرة، قال سموه: «الموضوع غريب في نظر الكثيرين وهو موضوع يرجع إلى خلق الدنيا من بداياتها، والله سبحانه وتعالى لما خلق الأكوان من بداياتها، سببّ لها مسببات لكثير من الاحتياجات، فلما خلق الأرض استقرت، وكانت ملتهبة، حيث الانفجار الكبير، وكان كل ما في هذه الأجرام السماوية كالشمس والقمر، وغيرهما، ملتهباً ولكن عندما استقرت في دوران الفُلكِ بدأت الأمور تتغير، وبدأت الكثير من الأجزاء السطحية للكرة الأرضية تتحرك».

وضرب سموه مثالاً على تحرك الأجزاء السطحية للكرة الأرضية، قائلاً: «الصفيحة الهندية أتت من الجنوب في مستوى مدغشقر إلى إندونيسيا وتحركت بسرعة حتى ضربت في القارة، وهي امتداد من مناطق بورما، والتبت، وفارس، ولما ضربت سببت زلازل لأن هذه الجزيرة ما زالت تتحرك.

ونلاحظ في قمة الخارطة، جبال الهيملايا، وهي قمم هادئة جداً، وتمت ازاحتها من الساحل خلال الضربة، ورفعت الساحل الذي كان موجوداً إلى القمة كأنها جبال، ولو ذهبنا إلى قمة الهيملايا سنلاحظ وجود أملاح وهي موجودة في السوق وتسمى أملاح الهيملايا، وهو ملح حجري بألوان وردية، وهذا اللون أرتفع من البحر، ونلاحظ في تلك المناطق أيضاً المتحجرات وهي كلها شبيهة بالأسماك والمحار، وهذا كله يعني أن هذا المكان كان شاطئ».

وحول جغرافيا الخليج أوضح سموه أن الصفيحة العربية، تحركت بنفس مستوى الصفيحة الهندية من مدغشقر فأتت وضربت في الساحل الفارسي، ومن هذه الضربة يلاحظ أن الجزيرة العربية لم تكن تمشي كما تحركت الصفيحة الهندية، وإنما كانت تلف، وهذه اللفة، كانت سبباً لزيادة قوة الضربة حيث يلاحظ على الخارطة جبال زابرس و(ضربة زابرس) التي خلال ضربتها للجزيرة كشطت جزء من الجبل ورمته على ظهرها، والجزء الآتي والذي ضربته أثناء الدوران كان أشد.

مضيفاً سموه أن الخبطة كانت مع جزء جبال مكران، متسائلاً عن الموقع الذي ذهب إليه الجزء المخلوع، وحول تأثر جبال زابرس بالاحتكاكات والزلازل: «نلاحظ أن جبال زابرس كلها ليست لها قواعد أو رواسي، أي ليست لها جذور وهي قمم سطحية، ولذلك كلما حصل في هذه المنطقة احتكاك أو زلازل كلما ارتعشت هذه القمم، وهي ارتعاشات لا يشعر بها الإنسان بقدر ما تشعر بها الأجهزة الاستشعارية».

وحول موقع الجزء المفقود عند الضربة، قال سموه: «كنت أتصور أن مكان الضربة في الجزء الخالي، وأن الجزء الذي انقلب انتقل إلى منطقة ما تسمى بجبال الحجر. وحدثنا كثير من الباحثين أن جبال الحجر منقولة من هنا، وحتى الجمعية الجيولوجية في لندن أصدرت كتاباً من ثلاث جامعات إنجليزية وكتبوا، أن هذه الجبال التي تسمى جبال الحجر منقولة من الضربة التي حصلت في جبال مكران».

وحول سعي سموه لمعرفة صحة انتقال الجزء المنقلب إثر الضربة بجبال مكران، قال سموه: «عملت بحث ومسحت كل جبال مكران وأحضرت عيناتها إلى الشارقة وبدأت أحلّل هل يوجد بها ما يشابه هذه الجبال العالية، وهذا الساحل والمنطقة التي انخلعت فيها الأرض، وعملت دراسة عن طريق خبراء في المعامل، بمقارنة العينات بجبال خورفكان وما جاورها، ولكن كانت النتيجة صفر، ولم ينجح البحث والمقارنة، وحتى الذين بحثوا من الجامعات الإنجليزية وحتى جامعة السلطان قابوس في سلطنة عمان التي كان بها مؤتمر في العام 2014م نوقشت فيه وبحثت مسألة الجزء المنقول لم يصلوا إلى النتيجة الصحيحة فلذلك يراد الآن بحث آخر لأنه إلى الآن المسألة غير معروفة».

تحرك وتكون الصفائح

وأوضح سموه أن الخليج تكون في وقت كانت فيه الثلوج تغطي الجزيرة العربية والمناطق الأخرى وحتى جبال فارس، وكانت القوافل والناس تعبرُ في مناطق من خلال الأنهار والطرق في الخليج، ما عدا نهر من ناحية شط العرب، ويوجد خندق يسمى المسيلة، وهو في جنوب أبوظبي وفي التتبع له يلاحظ أنه يستمر حتى يصل جبال اليمن، مشيراً إلى كميات الجليد التي كانت موجودة وذوبانها بداً منذ قبل 14 ألف سنة حتى أصبحت بالوضع القائم لدينا الآن.

ولفت سموه إلى حصول عدد من الباحثين الذين نقبوا في هذه المناطق على احفورات قديمة لتماسيح نهر، تدل على وجود نهر سابق.

وأشار سموه إلى ارتفاع الأرض بالقرب من المصبات والأنهار مما كون المياه على شكل المحار والنباتات الشاطئية، وقال سموه: «نلاحظ منذ البداية حول المياه المتكونة، تتكون مياه في صورة محار شاطئية ونباتات شاطئية، وفي الجهة الثانية التي هي ناحية أران، كمية المياه من هذا الينبوع كان تكوّن مصب نهر، وعند مصب النهر نجد أن الأرض كل مرة ترتفع لنجد أن النباتات بالقرب من المياه، والباقي كلها تحجرت وهي موجودة، إذاً نحن الآن أمام أربعة شطآن متغيرة مع الزمن حتى نصل إلى وضعنا هذا، والسؤال هو: هل سينزاحُ إلى أكثر من ذلك؟ هذا ما هو متوقع. والآن كثير يهددون هناك، الموانئ التي فتحت وعند بناء ميناء دبا الحصن كانت التعليمات برفع المستوى لأن المياه ستطلع إلى أعلى، فأحتج الصيادون هناك، وشرحنا لهم الوضع وأننا مع الواقع».

وحول طريق القوافل في الخليج قال صاحب السمو حاكم الشارقة: «قدمت دراسة دكتوراه في جامعة دورهام ببريطانيا، وكانت عن موضوع «صراع القوى والتجارة في الخليج»، وهي جغرافيا تجارية وفيها بعض الصراعات، وكنت أكتب في فصل عن تنقل التجارة في الخليج وكان في المخطوطات العربية يقال «كانت تأتي التجارة من جنوب عمان إلى تُوام، ومن تُوام إلى بينونة وهي بئر، ويقال أن هذا الطريق اختفى بالرمال التي غطته، ويقال أن التجارة تأتي وتعبر إلى منطقة الكرحاء بين الكويت والبحرين»».

وأضاف سموه: «نلاحظ أن المرور هنا صعب لأنه الربع الخالي، لو ذهبنا إلى الداخل كلها سباخ، حيث لا ماء ولا شيء، وأنا بحثت فيها كلها إذا كانت هناك قبور أو آثار ولم أجد، أما هنا في الحجير فيها مباني وأنا كنت قد زرتها وأنا طفل وأتذكرها، وسألت إن كان هناك آثار إسلامية، قالوا لا، وهناك خبراء سعوديون قالوا توجد آثار تحت ومن خلال خارطة لدي بحثت فيها ووجدت مدناً على الساحل، وكنت أرى بالمكبر، فلاحظت أن الكرحاء مقابل توام في العين، وأيضاً بينونة بما يعني أن النظرية التي كانت عندي صارت صحيحة الآن، وهي: من توام إلى بينونة إلى الكرحاء ومن هناك تشحن إلى أبُّلا».

بحث دقيق ومعمق

وأضاف سموه: «وأنا امُّر بالمكبر على الخارطة، وجدت الشارقة، وأم القيوين، ورأس الخيمة وكنت أول مرة أراها بمسمياتها القديمة وقت كتابة الخارطة. وبهذه الدراسة توصلت إلى شيء مختلف، وتساءلت هل هذه المسميات موجودة فعلاً؟ وهل هذه الخرائط كُتبت لاحقاً؟ ورجعت إلى ما كتبه بطليموس، لأنه جامع لمصادر كثيرة، وكتب في الفترة من 100- 200 ميلادية، فبدأت أقرأ في الكتاب، وإذا أنا أمام ساحل «أكلة السمك» في رأس الخيمة، وأم القيوين والشارقة وكرحاء، إذن المصدر موجود وصحيح، ولكن السؤال من عمل هذه الخرائط؟ الخرائط عملها شخص أسمه مكسيم في القسطنطينية في ديرم، وجد مخطوطة بطليموس وأعطاها إلى شخص يعرف يرسم فرسمها في الخرائط الموجودة، وبعدها تم إهداء الخرائط إلى الإمبراطور البيزنطي، والذي أهداها إلى الفاتيكان، وتلك الخرائط كانت في العام 1294ميلادية. والخرائط الموجودة لدى الفاتيكان لم يُكشف عنها، وكثير من تراثهم ومقتنياتهم كلها محفوظة لديهم وكان لأول مرة تكشف في الشارقة وقالوا لنا نحن للشارقة نقدم كل ما لدينا، وعلى إثر ذلك بدأوا ينشرون الخرائط كذلك».

وحول مصادر بطليموس في معلوماته، قال سموه: «بالطبع هناك مصادر كثيرة، وهي: مصدر شخص يسمى ميرخوس وهو قائد الأسكندر الأكبر الذي دخل الخليج ليساعد كشافة الهند، وهناك الآخرون الذين أتوا إلى الساحل، فلما دخلوا الخليج كان ميرخوس على الساحل الفارسي، وهناك أيضاً ثلاثة ضباط مسحوا الساحل هذا كله إلى مسندم، ونلاحظ أن ميرخوس يقول أنا وصلت إلى الكرحاء وهي مدينة تجارية كبيرة، وهو يصفها بذلك، ونحن الآن نود أن نعرف أين ذهبت هذه الكتابات التي كتبها ميرخوس، وهؤلاء الثلاثة من أين كتبوا وهم كتبوا الذي كشفه أريان هو صاحب كتاب أنديكا أي الهند، وهذه كلها موجودة في مكان واحد».

وأشار سموه إلى أن أريان أتى في سنة 95 ميلادية، وميرخوس أتى في سنة 320 قبل الميلاد عندما أتى الإسكندر الأكبر، واحتل فارس، مستعرضاً سموه الحوار الذي دار عند وصولهم إلى ساحل "أكلة السمك" والذي كتبه سموه في مسرحية سابقة، وحول ما كتبه الضباط الثلاثة وميرخوس وما جمعه أريان، أوضح سموه أنه موجود في كتاب أنديكا تحت اسم أريان مجموعة في جامعة أكسفورد في العام 1809م، وهي طبعة نادرة.

وحول استمراره في التحقيق من الكتب التاريخية والمخطوطات القديمة، قال سموه: «هذه كتب قيمة فيها حقائق كثيرة تلفت إلى التاريخ العماني وتاريخ الخليج، ولذلك أنا أحققها حتى تتم الاستفادة منها. وهناك حديث دار في هذا الموضوع، عندما أتى الإسكندر وكان داريوس حاكم فارس، ومالك بن فهم جاء إلى عمان، إذاً ما الذي حدث لمالك بن فهم؟ هو حارب وأخذ طريق توام إلى وادي الجزّي وحارب هؤلاء وقالوا أنهم يريدون هدنة فأعطاهم. وبعث داريوس وأتى بنفسه».

واستعرض سموه خارطة تعتبر مخطوطة قديمة يوجد منها نسختين فقط واحدة لدى سموه والأخرى في سويسرا توضح الأماكن التي احتلها داريوس ومنها احتل مصر وساحل أكلة السمك وبناءاً عليها داريوس لم يدخل عمان وأنه لما سمع أن الاسكندر قادم ارتحل. مضيفاً سموه أن نيرفوس تحدث أيضاً قائلاً «وعمان لها ملك» أي ما يدل على وجود مالك بن فهم وهذه الارتباطات توضح الكثير من الحقائق في تاريخ الخليج الموجودة في الخرائط والمخطوطات.

وصف الخليج القديم

وفي وصف الخليج قال صاحب السمو حاكم الشارقة: «هل هذا الخليج قديماً كان مجهولاً مثلما نرى نحن؟ أبداً كان غنياً من خلال ما كتبه نيرفوس، ويقول «هذه السواحل أهلها لا يستطيع أحدٌ أن يهاجمهم لأنهم يعتدون ويتخذون من يأسرونهم عبيداً والناس كلهم متعاونون». والذين أتوا من الجهة الأخرى يقولون عن المنطقة أنها منطقة خطرة فيها شعبُ مرجانيةٌ خطيرة ونحن لا نستطيع أن نقترب من حواف الخليج لأن هناك شعب بارزة، والقوافل تأتي فقط في هذا الأماكن التي يكون بها تجارة وتمدد في الساحل وهذا يتضح في الخرائط».

أصل الأسماء

وأوضح سموه أن الأسماء كانت موجودة منذ ذلك الزمن حيث أن عند حكم الاسكندر لفارس وبعد موته كانت التجارة مؤمنة وعند قدوم الضباط الثلاثة قال أحدهم في سنة 20 قبل الميلاد أنا زرت الكرحاء ووجدت هذه الأسماء، مؤكداً سموه أن الأسماء في هذه الخرائط ساهمت في معرفة خط التجارة والمناطق التي يمر من خلالها، وأضاف سموه: «نلاحظ أن خط التجارة يأتي من جنوب عمان ويمشي في الوديان، ليأتي إلى توام في العين، ويأتي إلى بينونة وهي بئر، وهذا يعتبر طريق من طرق التجارة أنذلك. أما الطريق الآخر يأتي من صحار ووادي الهور ثم مليحة، وبعدها يمشي في وديان حتى الذيد، ومن ثم تصل إلى البحر، وهنا منطقة تسمى الدٌّل وفيها آثار كثيرة».

كتابة التاريخ المنقح

وأضاف سموه: «أن مليحة تحوي آثار رومانية وإغريقية، حتى أن عملة الإسكندر الأكبر كانت تُضربُ هنا، وقوالبها موجودة، وهي غنية بالآثار. إذاً من هنا كله نستطيع إعادة كتابة التاريخ في صورة صحيحة محققّة عن طريق الخرائط وعن طريق الآثار، والوثائق، ونكتب هذا التاريخ المنقّح الجيد. ولو تقدمنا كذلك إلى أن نصل إلى فترة الإسلام».

وحول الكتابة في تاريخ عمان، قال سموه: «نحن هنا نكتب عن مالك بن فهم، وهذا الاسم في التاريخ يتردد كثيراً في الصحف والكتابات العمانية، لكننا لو جئنا ورأينا فترة الأمويين ثم العباسيين، نجد أن عمان لم تخضع إلا في بعض فترات أيام السلاجقة، وكانت بعيدة عن كل المهاترات التي دخلوا فيها. ولدي مخطوطات وأكتب هذه الفترة بوثائق وأسماء وبحوادث. وأكتب في تاريخ عمان إلى أن نصل إلى النبهانيين، وعندي مخزون كبير عن دولة اليعاربة وأنهم في صراع مع البرتغاليين».

وتطرق سموه إلى الحديث عن مشروعه في كتابة تاريخ شبه الجزيرة العربية موضحاً سموه أنه قد بدأ به لكتابة 12 مجلد بأسلوب متصل، كل فصل فيه 15 إلى 16 صفحة، وهو بأسلوب روائي خفيف ومبسط حتى يغرس في عقل القارئ العلم النافع، كما يحرص سموه على المراجعة الدائمة والدقيقة، ويجعل من نفسه الناقد والقارئ الأول لتقييم كتاباته.