مكتبة الصور

عرض الكل

عندما يصبح التاريخ وسيلة سلام

يزورهم، ويتعاون معهم، ويبادلهم الود والمحبة، قد لا يتفق مع بعض ما يطرحونه، بل ويختلف معهم في كثير من المعلومات والأحداث التاريخية التي يعرضونها، فالمخطوطات التي اطلع عليها، والتي يملكها، لا تقل أبداً عن المخطوطات التي يملكونها، لكنه مع ذلك يحترمهم ويقدرهم، بل ويعشق زيارة مكتباتهم الوطنية، ومتاحفهم المختلفة، ويقدّر كثيراً ذلك الإرث الإنساني والتاريخي الذي يحتفظون به، ويحافظون عليه.

هكذا يتعامل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، حفظه الله، مع الأوروبيين بشكل عام، وهكذا يثبت لهم أهمية الثقافة والحضارة العربية، بالمعاملة والفعل الإنساني، والنقاش والبحث عن المعلومة وتأكيدها بمختلف الأدلة التاريخية، لا بالجدال دون معرفة، ولا بتسفيه الآراء، والتمترس خلف الرأي الواحد، بل بجدال ونقاش حضاري راقٍ، وبالأدلة التاريخية التي هي الفيصل في نهاية الأمر.

رأيناه يفعل ذلك خلال زيارته للمتحف البحري في مدريد، ذلك المتحف الذي به محتويات تستعرض تاريخ البحرية الإسبانية منذ القرن الخامس عشر، ورأيناه وسمعناه يناقش المسؤولين الإسبان في كثير من الوثائق والمخطوطات القديمة في المكتبة الوطنية، التي تعتبر أكبر مكتبة في إسبانيا، وواحدة من أقدم وأكبر المكتبات في العالم، فسموّه لا يمرّ مرور الكرام عند كل مخطوطة أو وثيقة أو معلومة، ويرد بكل دبلوماسية وحكمة على كل معلومة يعتقد أنها غير صحيحة، هو يوضح الأمور، ويصححها، ويهديهم الكتب التي تثبت صحة رأيه، وهم في نهاية الأمر أحرار، بإمكانهم الاحتفاظ بآرائهم ومعلوماتهم، وبإمكانهم مراجعتها، ليس هذا مهماً بالنسبة له، بقدر أهمية إيصال صوت مغاير، ومعلومات مختلفة، لكنها حتماً تحمل أدلتها وبراهينها التاريخية.

هكذا يصبح التاريخ وسيلة سلام ومحبة، لا وسيلة تشاحن وكراهية، وهكذا تصبح الثقافة جسراً لنشر الود والتقارب بين الشعوب، وهكذا هما العلم والمعرفة، سببان للتكامل والتعاون، وهذه هي الإنسانية والحضارة في أبهى صورهما، وهكذا يستثمر الشيخ سلطان بن محمد القاسمي المعرفة والثقافة والقراءة، للتقارب ونشر صورة الإنسان الإماراتي والعربي المُحب للتراث الإنساني، والمطلع على ثقافات وحضارات الغير، والعاشق للأثر الجميل والعمل الراقي، أينما كان هذا الأثر، فالتاريخ بقدر ما يحمل من مآسٍ إلا أنه يزخر كذلك بالحضارات والعلوم والتراث والإرث الإنساني الجميل.

المصدر: جريدة الإمارات اليوم – سامي الريامي