يقف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في طليعة الرموز العربية التي جمعت بين أمانة الحكم ورسالة القلم، فامتد أثره من إدارة شؤون الإمارة، إلى بناء مشروع ثقافي ومعرفي عالمي راسخ، جعل من الشارقة عاصمة للمعرفة، ومن مؤلفاته رابطاً بين الماضي العريق والحاضر المشرق، ليعيد الحيوية إلى الروح العربية عبر قراءة عالمة ومنصفة للتاريخ والإنسان، حيث يتعامل سموه مع الكتاب باعتباره مسؤولية أدبية وتاريخية، لذلك جاءت مؤلفاته متنوّعة في حقولها، دقيقة في مادتها، ورشيقة في أسلوبها، حتى غدت مرجعاً للباحثين ورفيقاً ممتعاً للقارئ العام في آن واحد.
من يقرأ كتب سموه، يدرك أن مشروعه الفكري لا يقوم على التجميع أو التوثيق فحسب، بل على وعي بالذات العربية وأدوارها في التاريخ الإنساني، فقد صاغ سموه رؤيته انطلاقاً من قناعة راسخة بأنّ الأمة التي لا تعرف تاريخها تسير عمياء نحو المستقبل، وبأنّ قراءة الماضي هي وسيلة لفهم موازين القوة وتحولات الإنسان عبر الزمن.
موقع القلب
تحتل الكتب التاريخية موقع القلب في المشروع الفكري لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، إذ كرس عقوداً من البحث لقراءة تاريخ الخليج والعالم العربي من مصادره الأصلية، وإعادة الاعتبار للسردية العربية في مواجهة القراءات الاستعمارية المنحازة. وتتصدر هذه الأعمال مؤلفات عن تاريخ القواسم، وتاريخ عُمان، ومقاومة المدن الساحلية في الخليج للغزو الأجنبي، مثل كتابه عن «مقاومة خورفكان للغزو البرتغالي»، وكتابه «تاريخ اليعاربة في عمان».
ويعد كتاب «تاريخ القواسم بأجزائه الخمسة، عملاً موسوعياً شاملاً يوثق تاريخ ومسيرة القواسم التي كان لها دور محوري في صياغة تاريخ الخليج العربي الحديث، وينهل سموه في هذا المشروع من مئات الوثائق والمراسلات التاريخية العربية والأوروبية، ويعيد بناء سردية موضوعية لمسيرة القواسم السياسية والبحرية والتجارية، وما قدموه من تضحيات في مواجهة القوى الاستعمارية، وتمتاز الأجزاء الخمسة بدقتها البحثية وغناها بالمصادر والتحليل المقارن للأحداث في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
في هذه الكتب التاريخية يزاوج سموه بين الوثيقة الغربية والعربية، ويقارن بين الروايات المتعددة ليخرج برؤية متوازنة تنصف الإنسان العربي وتكشف حجم التضحيات التي بذلتها الشعوب دفاعاً عن أرضها وكرامتها. ولا يكتفي سموه بسرد الوقائع في تلك الحقب الزمنية، وإنما يسعى إلى تتبّع جذور الأحداث وسياقاتها السياسية والاقتصادية، فيضيء خلفيات الصراع ويكشف تداخل المصالح الدولية في الخليج والجزيرة العربية عبر القرون.
منهج صارم
يكتب صاحب السمو حاكم الشاقة، التاريخ باعتباره عملية وعي بالإرث الإنساني المنصف، وليس فقط سرداً لأحداث مضت، فالماضي في رؤية سموه فضاء للمكاشفة والاعتذار، وحين يتناول التاريخ، فإنما يصنع قاعدة جديدة للعلاقات الإنسانية تقوم على المصارحة لا المواربة، وعلى الاعتراف بالخطأ لا تبريره.
من هنا، يصبح التاريخ عنده بحثاً عن العدالة قبل أن يكون بحثاً عن القصة، ومن يقرأ تلك الأعمال التاريخية يلمس بوضوح منهجاً صارماً في التوثيق والتحقيق، يقوم على تتبع المخطوطات والوثائق في الأرشيفات العالمية، ومقارنة الروايات قبل اعتماد أي نتيجة، رافضاً التسليم بالرواية الجاهزة، ليراجع كل ما استقر في الوعي العام إذا لم يعضده الدليل القاطع، وهو ما جعل سموه يقدم في بعض كتبه تصحيحات جريئة لصورة دور القوى المحلية في الخليج وعمان والجزيرة العربية.
وتتجلى هذه المنهجية أيضاً في الأعمال التي حقق فيها سموه نصوصاً تاريخية نادرة، مثل مخطوط «جرون نامه» الذي عمل عليه تحقيقاً وتعليقاً وتوثيقاً، مقدماً للباحثين مادة جديدة لفهم تاريخ الموانئ الخليجية والعلاقات البحرية في المنطقة، ليفتح أمام الباحثين أبواباً جديدة للأسئلة والقراءات.
وتعد الصرامة الأكاديمية والدقة البحثية، السمة البارزة للمؤلفات التاريخية لصاحب السمو حاكم الشارقة، وهي سمة تتجلى بوضوح في أعماله التي تنقب في ذاكرة المكان وتحاور الزمن بوعي المؤرخ وحياد الباحث.
فمن «تحت راية الاحتلال» إلى «رحلة بالغة الأهمية»، مروراً ب«صراع القوى والتجارة في الخليج (1620 - 1820م)»، و«زنوبيا ملكة تدمر»، و«القواسم والعدوان البريطاني (1797 - 1820)»، و«تقسيم الإمبراطورية العمانية»، و«الاحتلال البريطاني لعدن»، وغيرها من الإصدارات التي أرخت لفصول دقيقة من تاريخ الخليج والمنطقة.
تتبع الوثائق
تميز منهج صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، في دراسة التاريخ بمنهجية ميدانية دقيقة، يتتبع الوثائق ويقارن الروايات وصولاً إلى الحقيقة. وقد أثمرت جهوده أعمالاً مرجعية مثل «سجل مكاتبات السلطان برغش سلطان زنجبار» و«القول الحاسم في نسب وتاريخ القواسم»، التي تجمع بين الدقة الأكاديمية والتحقيق التاريخي.
وفي كتابه «إني أدين» وضع سموه القارئ أمام جملة من الحقائق حول ما لحق بالعرب والمسلمين في الأندلس، معتمداً على وثائق تكشف زيف السرد الغربي لمحاكم التفتيش، وهو ما عمقه أيضاً في كتابه «محاكم التفتيش»، كما توازى ذلك مع اهتمامه بتاريخ الخليج والعرب في مؤلفات مثل «تحت راية الاحتلال» و«العلاقات العُمانية الفرنسية»، كما فند في «نظم الفوائد في سيرة ابن ماجد» اتهامات المؤرخين للبحار العربي.
كما عكست أعمال أخرى مثل «جون مالكولم والقاعدة التجارية البريطانية في الخليج (1800)»، و«يوميات ديفيد سيتون في الخليج (1800 - 1809)»، و«الخليج في الخرائط التاريخية»، عمق النظرة البحثية التي يتبناها سموه، إذ لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يعيد قراءة الأحداث وربطها بمساراتها السياسية والاقتصادية والثقافية.
السهل الممتنع
حين يتصفح القارئ مؤلفات صاحب السمو حاكم الشارقة، يجد نفسه أمام نصوص تتجاوز التصنيف الأدبي، فبعضها يبدو كالرواية بأبطالها وأحداثها، لكنها في جوهرها بحث تاريخي موثق، وبعضها الآخر يحمل روح السيرة الفكرية، فلا يكتب سموه في حدود النوع، بل في حدود الفكرة، لذلك تتراسل المؤلفات بين السرد والمعرفة والفكر، في نصوص متنوعة مفتوحة على التأمل، تصنع عالمها الخاص بعيداً عن التصنيف التقليدي، ولعل سر قوتها في تلك المعادلة الدقيقة التي تجمع بين دقة المؤرخ وخيال الأديب، فيغدو القارئ أمام كتابة تفتح له متعة الاستكشاف وتغريه بالتفكير.
ومن جهة اللغة نجدها في مؤلفات سموه تشبه الماء في عذوبتها، شفافة، نقية، تأخذ شكل الفكر دون أن تفقد عمقها، لغة «السهل الممتنع»، التي تجعل القارئ يواصل القراءة بلا عناء، بينما تخفي بين سطورها معارف موسوعية وجهداً أكاديمياً متقناً، ولعل في هذه البساطة المدروسة دلالة على قرب سموه من قرائه، وسعيه إلى أن تكون المعرفة متاحة للجميع لا نخبوية متخصصة وثقيلة، فالكلمة عنده وسيلة لربط القارئ بالتاريخ والجغرافيا والهوية.
سرديات الإنصاف
تحتفي أعمال سموه السردية بالشجاعة والمقاومة، إذ تعيد فتح الملفات التي أغفلها المؤرخون، لتكشف عن صفحات كانت مطموسة في تاريخ المنطقة، في رواية «الحقد الدفين» الصادرة عام 2004، والتي تُرجمت إلى عدة لغات، يعيد سموه قراءة زمن المواجهة بين القواسم والاستعمار البرتغالي بقيادة «ألفونسو دي ألبوكيركي»، فيسرد الأحداث بعين الراوي الذي يمزج البطولات الفردية بالذاكرة الجماعية، والرواية هنا ليست تأريخاً للحروب بقدر ما هي شهادة على وعي المقاومة في الخليج العربي، تجسد كيف جعل الظلم من البحر منطلقاً للشجاعة لا للاستسلام.
وتأتي «الأمير الثائر» لتكمل مشهد البطولة، حيث يحكي سموه سيرة الأمير مهنا بن ناصر الزعابي الذي قاد ثورته متحدياً النفوذ الفارسي والهولندي، وهنا تتضافر الدقة الوثائقية مع العذوبة الإبداعية، فيتحول التاريخ من سطر جاف في الكتب إلى روح تحلق في النص، فتحفظ الأحداث في الذاكرة بالحروف والمشاعر.
أما في «الشيخ الأبيض»، فيمزج الكاتب التحقيق التاريخي بالمغامرة الإنسانية، إذ لم يكتف بالبحث في المراجع بل زار مواقع الأحداث في الولايات المتحدة وعمان، باحثاً عن آثار أبطال روايته، الأمر الذي منح عمله صدقية استثنائية.أما في «حكم قراقوش»، ينقب سموه في الذاكرة الشعبية ليعيد الاعتبار لقائد شوه عمداً في سرديات التراث، فالكتاب يبرهن أن «قراقوش» لم يكن رمزاً للظلم، بل قائداً وفياً لصلاح الدين الأيوبي، وهنا تتجلى فلسفة سموه في مواجهة التزييف، فالحقيقة في رأيه، ليست ما كتب بل ما يستحق أن يكتب من جديد.
ذاكرة التاريخ
في روايته «بيبي فاطمة وأبناء الملك»، يصحبنا سموه إلى مملكة هرمز في نهاية القرن السادس عشر، حيث تصطدم الطموحات البرتغالية بالمقاومة المحلية. الرواية رغم قصرها، تعتمد على أكثر من خمسة وثلاثين مصدراً، وتقدم مشهداً للحياة الاجتماعية في هرمز.ويبلغ مشروع سموه السردي ذروته، في رواية «رأس الأمير مقرن»، إذ يربط بين المسافة الجغرافية والتاريخية ليكتب حكاية مقاومة وانتماء، الرواية تستعيد مأساة مقرن بن زامل الجبري، حاكم شرق الجزيرة العربية الذي رفض الخضوع للغزاة البرتغاليين عام 1521، فاستشهد وقطع الغزاة رأسه، ومن خلال هذه القصة، يقدم لنا درساً إنسانياً يتجاوز البطولة الحربية إلى سؤال الشرف والمبدأ.ويمتد اهتمام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، إلى الغرب في مؤلفه «فيليب العربي»، الذي يعيد اكتشاف سيرة الإمبراطور الروماني ماركوس فيليبوس المولود في بصرى الشام، مؤكداً أصوله العربية ودوره في التاريخ الروماني، وبهذا العمل فتح أفقاً جديداً لقراءة العلاقة بين الشرق والغرب.
تتداخل في مؤلفات صاحب السمو حاكم الشارقة، الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الوطنية في نسيج واحد من التجربة والوعي، حيث تتحول السيرة الذاتية والرواية في مشروعه إلى شهادتين متكاملتين على مسار الإنسان والوطن معاً، ففي كتاب «سيرة مدينة»، تتجلى حكاية الشارقة بوصفها قصيدة مكتوبة بالحنين والوفاء، يرسم فيها سموه ملامح المكان كمرآة تعكس روح المجتمع وذاكرة الزمن، أما «سرد الذات»، فيقدم وثيقة إنسانية ووطنية تؤرخ لبدايات الاتحاد، وتضيء تفاصيل الحياة الإماراتية قبل اكتشاف النفط.ويمتد هذا الأفق السردي الواسع في كتاب «حديث الذاكرة» بأجزائه الثلاثة، حيث يوثق سموه تحولات الدولة والمنطقة العربية، مقدماً بانوراما فكرية وتاريخية ثرية، وفي «حصاد السنين» يرسم خلاصة تجربة طويلة في العمل الثقافي.وللشعر حضور أصيل في مشروع سموه الثقافي، ففي أعمال مثل «القصائد الحكيمة بين الأسى والشكيمة» و«نشيج الوداع»، يعيد سموه إحياء الذاكرة الشعرية الإماراتية، مؤكداً أن الشعر وجدان الأمة مثلما الوثيقة ذاكرة تاريخها.
المصدر: جريدة الخليج – ملحق خاص