حكاية مشروع الشارقة الثقافي هي حكاية تستحق أن تروى بما تحتضنه من قصص متداخلة تتضمن الكثير من الأفكار التي تفتح نوافذ مشرعة على الأدب والفكر والكتاب والقراءة والنشر والمسرح والفنون، وهي من دون شك حكاية رؤية طموحة أسسها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لتصبح الإمارة منارة ثقافية عالمية ترتكز على الإنسان كمحور أساسي.
بالفعل تجسدت هذه الرؤية الحكيمة في أفعال ووقائع حقيقية، كان من نتائجها تكريم الشارقة بكثير من التكريمات الدولية كاختيارها عاصمة ثقافية للعالم العربي عام 1998 من قبل اليونسكو وعاصمة الثقافة الإسلامية في 2014.
من يتابع المشروع الثقافي لإمارة الشارقة، يتوقف عند مجموعة من العناصر الأساسية في صلة هذا المشروع العميقة بالتراث، وامتزاج التاريخ العريق بالحداثة في تصميم المدن، ووجود العديد من المتاحف والمعارض الثقافية والفنية والفعاليات المتنوعة، والبنى التحتية التي تشمل مناشط الثقافة والفنون بما يدل على حيوية هذا المشروع واستدامته وقدرته على فتح مسارات جديدة للاستثمار في الثقافة والفكر، وكل ما يحتفي ويرتقي بالإنسان، من خلال الأنشطة والمبادرات والمؤسسات التي تسهم في بناء مجتمع واع ومثقف.
نحن إذن، بإزاء مشروع صنعه رجل مثقف بإصراره وعزيمته التي لا تلين، وبذل من أجله كل ما يمكن من دعم مادي ومعنوي، بحيث صارت الشارقة اليوم، حاضنة لكافة الإبداعات الإنسانية التي ركزت على تطوير الثقافة وصناعة الكتاب وتعزيز مفاعيل القراءة بشتى السبل.
بنية قوية
أكثر من أربعة عقود مرت على تدشين مشروع الإمارة الباسمة، التي تأسست فيها بنية مكينة للتنمية الثقافية، كانت قد بدأت بإصدار صاحب السمو حاكم الشارقة في 30 إبريل 1981 مرسوماً أميرياً يقضي بإنشاء «الدائرة الثقافية»، والتي عرفت فيما بعد باسم «دائرة الثقافة والإعلام»، إلى أن تغير الاسم إلى «دائرة الثقافة» وذلك تعزيزاً للجهد الثقافي المبذول، وحرصاً على تطوير وتوسيع قاعدة العمل الثقافي الخلاق ليصل إلى المواطن والمقيم في كل مكان.
خلال هذه الفترة اتضحت معالم النهضة الثقافية عبر إنشاء سلسلة من المرافق والصروح والبنى التحتية والجامعات والمتاحف وغيرها، كما ترافق ذلك كله بمجموعة من المبادرات الثقافية المهمة التي شكلت عناصر رئيسية في بنية المشروع الثقافي للشارقة، كانت «دائرة الثقافة» بطبيعة الحال هي المظلة الجامعة لكل هذه المناشط والفعاليات المختلفة، من خلال تعاونها مع الأجهزة والمؤسسات الثقافية المحلية والعربية والدولية بما يخدم أهداف العمل الثقافي، ويعمل على تأصيل القيم العربية والإسلامية، وتوسيع أطر وآفاق المعرفة بما يخدم أهداف التنمية بمنظورها الشمولي.
أشرفت الدائرة على الفعاليات الثقافية والفنية بكافة أنواعها وخاصة المسرح، الذي صار اليوم من أبرز من أبرز فعاليات الإمارة من خلال التظاهرة الفنية الكبرى «أيام الشارقة المسرحية» التي انطلقت في عام 1984، وكانت تلك التظاهرة قد نجحت ولا تزال في دعم وتطوير المسرح، وتنمية الوعي المسرحي، وتشجيع التجارب المسرحية المحلية، واكتشاف المواهب وصقلها.
ولا ننسى في هذا المقام، تأسيس بنية مسرحية متكاملة ممثلة ب«مسرح المجاز» الذي افتتح في مايو 2014 ليكون منصة للحركة الفنية والثقافية والسياحية في الشارقة، والإمارات، والمنطقة، وهو يجمع بين التصميم المعماري المتقن ونظام صوتي متطور وإطلالة بانورامية رائعة على أفق المدينة وبحيرة خالد، وهو من أبرز الأماكن لاستضافة الفعاليات الفنية في الشارقة.
تعزيز المعرفة
حرصت الشارقة على تعزيز القراءة وتيسير الوصول إلى المعرفة، من خلال تأسيس «بيت الحكمة» عام 2019، ليكون إرثاً دائماً لمكانتها كعاصمة عالمية للكتاب، وافتتح صاحب السمو حاكم الشارقة هذا الصرح الكبير في 2020 بعد عام من نيل الشارقة لقب العاصمة العالمية للكتاب، من قبل ال(يونسكو)، ليعمل على إعادة تعريف مفهوم المكتبة التقليدية لتحويلها إلى مركز ثقافي واجتماعي متطور يجمع بين الأفكار والابتكار والترفيه، وجعله بوتقة للأفكار والابتكارات، وتوفير بيئة متكاملة تجمع بين القراءة والمعرفة، ويتميز المبنى ببساطة التصميم والهندسة المعمارية المعاصرة ومرافقه والتفاعلية.
ويعد معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي أسسه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عام 1982، أحد بواكير المشروع الثقافي حيث انطلق كمنصة لتشجيع القراءة والنشر، وهو من أبرز المعارض الثقافية في المنطقة والعالم، وتشرف عليه اليوم هيئة الشارقة للكتاب، ويسهم بقوة في دعم صناعة النشر والترجمة، وتعزيز مكانة الإمارات كمركز ثقافي عالمي.
قاطرة الثقافة
وبشهادة كثير من المختصين، فإن المعرض بمثابة قاطرة تقود المشهد الثقافي العربي ويجمع سنوياً ملايين الزائرين من الإمارات والبلدان المجاورة، وقد نجح عبر السنوات القليلة الماضية في استحداث المبادرات وتوسيع مساحات عرض دور النشر المشاركة واستقطاب الأسماء الإبداعية العربية والأجنبية وتعميق رؤيته ليتحول من معرض سنوي للكتاب إلى مشروع ثقافي متكامل يجعل الشارقة والإمارات مركزاً للفعل المعرفي والثقافي في المنطقة والعالم.
كما نجح في استضافة كبريات دور النشر العالمية وتنظيم برنامج فكري وثقافي مصاحب يجمع كبار مشاهير الثقافة العربية والعالمية.
وإلى جانب هذا المشروع الثقافي الكبير نشير إلى مهرجان الشارقة القرائي المخصص لثقافة الطفل الذي انطلق في 2008، بهدف تأسيس جيل من القراء المتمسكين بالكتاب والساعين وراء المعرفة.
ويكشف المسار الذي اختاره المهرجان نهجاً ورؤية رصينة تستثمر بالأطفال واليافعين وتقود طموحاتهم وأحلامهم لتأسيس جيل مثقف مبتكر ومبدع يحمل من الحصيلة المعرفية ما يؤهله ليشكل إضافة لمسيرة الدولة الحضارية والتنموية.
النشر والمكتبات
في 25 فبراير 2009، وبمبادرة من سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي تم تأسيس جمعية الناشرين الإماراتيين، بهدف خدمة وتطوير قطاع النشر في الإمارات والارتقاء به والنهوض بدور الناشر الإماراتي والعربي من خلال برامج التأهيل والتدريب التي ترفع كفاءته، أسهمت الجمعية في تعزيز التعاون بين الناشرين، وحماية حقوق الملكية الفكرية والنشر، وضمان حقوق النشر والتوزيع. وهي تهدف أيضاً إلى الارتقاء بمهنة المكتبات والمعلومات في الإمارات، من خلال تعزيز التعاون والتنسيق بين المكتبات، وتطوير مهارات العاملين فيها، ونشر الأبحاث والدراسات، والمساهمة في وضع المعايير وتقديم الاستشارات الفنية، نجحت الجمعية في دعم وتوسيع نطاق حضور المكتبات كمحرك أساسي لنشر المعرفة وترسيخ ثقافة القراءة في المجتمع الإماراتي.
وفي 2009 كذلك، أسست سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي «المجلس الإماراتي لكتب اليافعين» لتشجيع نشر وتوزيع كتب الأطفال العالية الجودة باللغة العربية في الإمارات وتزويد المؤلفين والرسامين الواعدين والمحترفين وكذلك دور النشر القائمة في الدولة بفرص التواصل وتبادل الخبرات وبناء القدرات بجانب تقديم الدعم والتدريب للعاملين في مجال كتب الأطفال.
في ذات السياق، تم تأسيس «جمعية الإمارات للمكتبات والمعلومات» في 2017 بهدف دعم شؤون المكتبات والمعلومات في الإمارات، وتعزيز التعاون بين المكتبات، وتطوير المهنيين في المجال، ودعم نشر الأبحاث المتعلقة بالمكتبات، والمساهمة في وضع سياسات ومعايير موحدة لتطوير أداء المكتبات والمعلومات.
ديوان العرب
اهتم مشروع الشارقة الثقافي بدعم الشعر العربي، باعتباره رافداً مهماً من روافد الثقافة، يعمل على صقل المواهب وتطوير إبداعات الشباب وتوفير منصة للشعراء، المحليين والعرب للتواصل مع بعضهم البعض وتبادل الخبرات في الأمسيات والندوات. وكان تأسيس «بيت الشعر» عام 1997 قد شكل قبلة ثقافية لعشاق ديوان العرب، وجسد هذا البيت مظلة أوسع مع مبادرة «بيوت الشعر العربية» التي أطلقها صاحب السمو حاكم الشارقة عام 2015 بهدف دعم وتعزيز الحركة الشعرية في الوطن العربي.
فيما كان الهدف من تأسيس مهرجان الفنون الإسلامية عام 1998 بتوجيهات من صاحب السمو حاكم الشارقة، هو الاحتفاء بعمق وتنوع الفنون الإسلامية، وتعزيز حوار فني عالمي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، حيث يسعى المهرجان إلى إبراز الفن الإسلامي كلغة فنية عالمية من خلال عرض أعمال مبتكرة تجمع بين التقاليد والتقنيات الحديثة، ودمجها مع متغيرات العصر، مما ينقل هذا الفن من الصورة التقليدية إلى عالم معاصر نابض بالحياة، والمهرجان يعكس حيوية الفنون الإسلامية، ويحتفي بالمنجز الحضاري والجمالي للفن الإسلامي، وتنمية الذائقة البصرية لدى الجمهور. كما يسعى إلى جعل الفن جسراً للتواصل الحضاري بين مختلف الثقافات، وتخليد الأمجاد الثقافية والحضارية الإسلامية.
الهوية الحضارية
شهد عاما 1997، و2006، تأسيس «الشارقة للفنون» و«هيئة الشارقة للمتاحف»، والأخيرة تشرف على جميع المتاحف والمواقع التراثية في الإمارة، أما متحف الشارقة للفنون، فافتتح من أجل تعزيز هوية الإمارة الثقافية والحضارية، والحفاظ على تراثها وإرثها التاريخي، وتسعى هذه المتاحف إلى نشر الوعي الثقافي من خلال جمع وحفظ وعرض كنوزها التاريخية والعلمية والفنية، كما تسعى إلى حفظ وعرض الآثار والمقتنيات التي تعكس تاريخ الشارقة الغني منذ العصر الحجري وحتى العصور الحديثة، مما يسهم في توثيق وتعميق فهم تاريخ الإمارة وتراثها الثقافي.
وللنهوض بواقع النشر المحلي والعربي والدولي، توجت الشارقة مشروعها الثقافي عام 2013 بإطلاق «مدينة الشارقة للنشر» بتوجيهات صاحب السمو حاكم الشارقة في إطار استراتيجي واضح لتلبية حاجة قطاع النشر وتوفير فرصة للناشر الإماراتي والعربي لفتح آفاق عالمية على مختلف أسواق الكتاب في العالم وإتاحة المجال للناشرين الدوليين لتحقيق حضورهم في بلدان المنطقة من خلال هذه المدينة وما توفره من خدمات تلبي احتياجات الناشرين كافة سواء شركات الطباعة أو التوزيع مروراً بخدمات التحرير والمراجعة والتدقيق وصولاً إلى الترجمة والتصميم والإخراج.
ويتكامل دور المدينة مع مختلف ما تطرحه الشارقة من مبادرات وبرامج ثقافية وما تمتلكه من مؤسسات تعليمية وأكاديمية يمثل وجود المدينة فيها فرصة أمام مستثمري النشر في العالم حيث تشتمل الإمارة على عدد من الجامعات والمعاهد التعليمية إضافة إلى عشرات المبادرات والمشاريع الحكومية التي تقوم بشراء كميات كبيرة من الكتب سنويا لتوزيعها على المواطنين الأفراد والمدارس والجامعات والمؤسسات.
مبادرات طموحة
ترافق تأسيس هذه المناشط الثقافية بسلسلة كبيرة من المبادرات الثقافية الطموحة التي ترتقي بالإبداع وتحفز على القراءة، وبناء مجتمع يؤمن بالكتاب كسبيل للارتقاء بالواقع وتحقيق النهضة المنشورة ومعظم هذه المبادرات تنسجم مع رؤية الشارقة في تحقيق فعلي للنهوض الثقافي الذي يرسخ اسمها كعاصمة للثقافة والمعرفة والكتاب في دولة الإمارات.
وبفضل الرؤية الملهمة لصاحب السمو حاكم الشارقة والمشاريع والمبادرات المبتكرة لمؤسسات الإمارة تواصل الشارقة ترسيخ مكانة الكتاب والاحتفاء بمؤلفيه وناشريه وموزعيه وقرائه كي يستمر في تعزيز مكانته المعرفية بين جميع فئات المجتمع.
المصدر: جريدة الخليج – ملحق خاص